
لم تعد الفلاحة اليوم تخضع فقط لمعادلة الأرض والبذور والماء، بل أصبحت رهينة متغير جديد اسمه المناخ المتقلب. ففي السنوات الأخيرة، بات المشهد الفلاحي يعيش على وقع تغيرات متسارعة؛ أمطار تأتي خارج مواسمها، فترات جفاف تمتد أكثر من المعتاد، ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، وتساقطات مركزة في زمن قصير بدل توزيعها الطبيعي.
هذه التحولات لم تعد مجرد مؤشرات جوية عابرة، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بقوة داخل الحقول والضيعات، مؤثرًا بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي، وجودة المحاصيل، واستقرار الموارد المائية، في ظل تحديات متزايدة تفرض على القطاع البحث عن حلول أكثر قدرة على التكيف.
وفي هذا الإطار، تواصلت جريدة الألباب 360 مع أستاذ علم المناخ بجامعة محمد الخامس بالرباط، والخبير الوطني والعالمي في الأنظمة المناخية، الدكتور محمد سعيد قروق، من أجل فهم الخلفيات العلمية لهذه الظواهر التي أصبحت تتكرر بوتيرة أكبر خلال الآونة الأخيرة.
وأوضح الخبير أن ما يعيشه المغرب لا يرتبط فقط بتغيرات موسمية ظرفية، بل يدخل ضمن تحولات مناخية أوسع ترتبط بتأثيرات عالمية على الأنظمة الجوية، وهو ما يؤدي إلى تزايد عدم انتظام التساقطات، وتوالي فترات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة بشكل متقلب من سنة إلى أخرى.
وأضاف الدكتور محمد سعيد قروق أن الإشكال اليوم لا يكمن فقط في كمية الأمطار، بل في توقيت نزولها وانتظامها، لأن الدورة الفلاحية تحتاج إلى استقرار نسبي في الظروف المناخية حتى تحقق مردودية جيدة. كما أن التساقطات الغزيرة خلال فترات قصيرة لا تعوض بالضرورة الخصاص المائي إذا لم تتزامن مع الحاجيات الفعلية للمزروعات.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في طرق تدبير المجال الفلاحي، عبر ترشيد استعمال المياه، وتطوير تقنيات السقي، واعتماد ممارسات فلاحية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التقلبات الجوية.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الرهان اليوم هو انتظار موسم جيد فقط، بل بناء فلاحة قادرة على الصمود أمام مناخ أصبح أكثر تغيرًا وأقل قابلية للتوقع.




تعليقات
0