
بقلم الاستاذ نصر المهدوي.
لم يعد الحديث عن الاستقرار في ليبيا مجرد عنوان يتكرر في البيانات السياسية واللقاءات الحوارية، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات المرحلة، وتستوجب مراجعة جادة لمسارات بناء الدولة، بما يضمن إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد والفرص، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية بين مختلف المدن والمناطق الليبية.
وفي هذا السياق، تبرز رؤية حواء زيلاوي، عضو الحوار المهيكل عن مسار الحوكمة وممثلة الجنوب الليبي، التي أكدت أن توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والإداري، وتعزيز الحوكمة المحلية، وضمان عدالة التمثيل والمشاركة في صنع القرار، تمثل ركائز أساسية لبناء دولة مستقرة وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها.
إن أهمية هذه الرؤية تنبع من كونها تضع يدها على واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه المشروع الوطني الليبي، وهي الفجوة بين الشعارات السياسية والواقع المعيشي للمواطن. فالاستقرار لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، ولا بحجم التصريحات الصادرة عن الأطراف السياسية، وإنما بمدى قدرة تلك الاتفاقات على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس، وتوفير الخدمات، وتحقيق العدالة، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

الجنوب الليبي.. شريك في الوطن لا هامش في القرار
لطالما عانى الجنوب الليبي من تحديات متراكمة، تتصل بضعف الخدمات، ومحدودية الفرص التنموية، وصعوبة الوصول إلى بعض المرافق الأساسية، فضلًا عن الشعور بالتهميش في مراحل مختلفة من مسار بناء الدولة.
وعلى الرغم من الأهمية الجغرافية والاستراتيجية للجنوب، وما يمتلكه من موارد وإمكانات بشرية وطبيعية، فإن تحقيق التنمية المتوازنة فيه لا يزال يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية السياسات الوطنية، ومدى التزامها بمبدأ المواطنة المتساوية.
ومن هنا، فإن التأكيد على إنصاف الجنوب لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مطلبًا جهويًا أو دعوة إلى تفضيل منطقة على أخرى، بل باعتباره استحقاقًا وطنيًا يفرضه مبدأ تكافؤ الفرص، ويقتضي معالجة الاختلالات التنموية، وضمان التوزيع العادل للموارد، وإتاحة الفرصة أمام أبناء الجنوب للمشاركة الفاعلة في مؤسسات الدولة ومواقع صنع القرار.
فلا يمكن بناء دولة متماسكة بينما تشعر بعض مناطقها بأنها بعيدة عن مراكز التأثير، أو أن نصيبها من التنمية والخدمات لا يتناسب مع حقوق مواطنيها. كما لا يمكن الحديث عن وحدة وطنية راسخة دون أن يلمس المواطن في سبها وأوباري ومرزق وغات، وغيرها من مدن الجنوب، أن حقوقه وفرصه لا تقل عن حقوق المواطنين في بقية أنحاء البلاد.
إن الجنوب ليس هامشًا في المشهد الليبي، بل جزء أصيل من هويته الوطنية، وشريك في حاضره ومستقبله، وإنصافه يمثل خطوة ضرورية نحو تعزيز الثقة بين المواطن والدولة.

توحيد المؤسسات.. مدخل لاستعادة هيبة الدولة
لا يمكن فصل قضية إنصاف الجنوب عن معضلة الانقسام المؤسسي التي ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية في ليبيا.
فاستمرار الانقسام يضعف كفاءة الإدارة العامة، ويعقّد عملية تقديم الخدمات، ويؤثر في فاعلية السياسات التنموية، كما يفتح المجال أمام تفاوت المعايير وتضارب القرارات وتراجع ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على أداء مسؤولياتها.
لذلك، فإن توحيد المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر على التوافق الشكلي أو إعادة ترتيب الهياكل الإدارية، بل يجب أن يستند إلى قواعد قانونية واضحة، ومعايير مهنية موحدة، وآليات رقابة ومساءلة تضمن حسن إدارة الموارد العامة، وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات بصورة عادلة.
كما أن توحيد المؤسسات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المصالح الضيقة والحسابات المرحلية، وتضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الفئوية والمناطقية، لأن الدولة القوية لا تقوم على تعدد مراكز القرار، وإنما على مؤسسات موحدة وفاعلة، تخضع للقانون وتعمل لخدمة المواطن.
الحوكمة المحلية.. من إدارة الأزمات إلى صناعة التنمية
ومن بين القضايا المهمة التي تطرحها رؤية حواء زيلاوي، مسألة تعزيز الحوكمة المحلية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحسين الأداء الحكومي، وتقريب الخدمات من المواطنين، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في تحديد أولوياتها التنموية.
فالنجاح في إدارة الشأن المحلي لا يتحقق بمجرد نقل بعض الاختصاصات إلى البلديات، وإنما يتطلب توفير الموارد المالية والبشرية، وتوضيح الصلاحيات، وتعزيز الرقابة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
وتزداد أهمية هذا التوجه في المناطق التي تواجه تحديات تنموية وخدمية، وفي مقدمتها مناطق الجنوب، حيث تحتاج المجتمعات المحلية إلى سياسات تستجيب لاحتياجاتها الفعلية، وتراعي خصوصيتها الجغرافية والاجتماعية، وتمنحها دورًا أكبر في صياغة الحلول ومتابعة تنفيذها.
إن الحوكمة الرشيدة ليست مجرد مصطلح إداري، بل ممارسة تقوم على إشراك المواطنين في صناعة القرار، وإخضاع المسؤولين للمساءلة، وضمان توجيه الموارد إلى الأولويات الحقيقية، بما يعزز الثقة ويحد من مظاهر الفساد وسوء الإدارة.
إحاطة البعثة الأممية.. بين المواقف السياسية والنتائج العملية
وفي ظل استمرار الجهود الأممية الرامية إلى دفع العملية السياسية في ليبيا، تبرز أهمية أن تتجاوز المسارات المطروحة حدود التوافقات النظرية، وأن تقدم خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تسهم في توحيد المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، وتهيئة الظروف أمام مسار سياسي جامع.
ومن هذا المنطلق، فإن التطلع إلى أن تتضمن إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، معالجات واضحة لقضايا التمثيل العادل وتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، يعكس الحاجة إلى مقاربة سياسية أكثر ارتباطًا بأولويات المواطن الليبي.
ومع أهمية الدور الأممي في دعم الحوار وتيسير التوافق، فإن المسؤولية الأساسية تظل مسؤولية الليبيين أنفسهم، من خلال امتلاك إرادة سياسية جادة، وتقديم تنازلات متبادلة، والاتفاق على قواعد واضحة لإدارة المرحلة، بعيدًا عن إعادة إنتاج الأزمات أو ترحيل الخلافات من مرحلة إلى أخرى.
كما أن نجاح أي مسار سياسي ينبغي أن يُقاس بقدرته على بناء مؤسسات مستقرة، وتوسيع المشاركة الوطنية، وتحقيق تقدم ملموس في الملفات التي تمس حياة المواطنين، لا بمجرد الإعلان عن تفاهمات جديدة.
العدالة والشراكة.. أساس الاستقرار المستدام
إن التجربة الليبية تؤكد أن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على التسويات السياسية وحدها، ما لم تصاحبها عدالة اجتماعية وتنمية متوازنة ومشاركة حقيقية في إدارة شؤون الدولة.
فالمواطن الذي لا يجد الخدمات الأساسية، أو يشعر بأن فرصه في العمل والتنمية محدودة، أو يرى أن منطقته غائبة عن مواقع التأثير وصناعة القرار، سيظل ينظر إلى مؤسسات الدولة بشيء من عدم الثقة، مهما تعددت المبادرات السياسية.
ولهذا، فإن معالجة جذور الأزمة الليبية تستدعي رؤية وطنية شاملة، تربط بين توحيد المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، وتعزيز دور البلديات، وضمان التمثيل المنصف لمختلف المكونات والمناطق.
كما تتطلب هذه الرؤية الانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء التوافق، ومن الاكتفاء بتشخيص المشكلات إلى وضع برامج عملية لمعالجتها، ومن التعامل مع المناطق الليبية باعتبارها ملفات منفصلة إلى النظر إليها بوصفها أجزاء متكاملة من وطن واحد.
ختامًا، إن الرسالة التي تحملها الدعوة إلى إنصاف الجنوب الليبي وتوحيد المؤسسات تتجاوز حدود منطقة بعينها، لتلامس جوهر المشروع الوطني الذي تحتاج إليه ليبيا اليوم. فالدولة التي تنصف جميع مواطنيها، وتضمن عدالة توزيع مواردها، وتتيح المشاركة في صناعة القرار، وتعمل بمؤسسات موحدة وخاضعة للقانون، هي الدولة الأقدر على تجاوز الانقسام وترسيخ الاستقرار.
إن ليبيا لا تحتاج إلى وحدة جغرافية وسياسية فحسب، بل إلى وحدة في الحقوق والفرص والمسؤوليات، وإلى شراكة وطنية يشعر في ظلها كل مواطن بأنه جزء من القرار، وشريك في التنمية، وصاحب حق أصيل في مستقبل بلاده.
وعندها فقط، يصبح الاستقرار مشروعًا وطنيًا قابلًا للتحقق، لا مجرد أمنية تتجدد مع كل حوار سياسي.




تعليقات
0