
تدخل مدينة فاس منعطفا نوعيا في مسار تحديث العرض الصحي، مع شروع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في تنزيل مشروع متقدم للجراحة الروبوتية رُصد له غلاف مالي يُناهز 39,6 مليون درهم، في خطوة تُترجم توجها متصاعدا نحو إدماج التكنولوجيا الطبية الدقيقة داخل المستشفيات العمومية كرهان سياسي ومؤسساتي على إعادة بناء الثقة في المرفق الصحي العمومي وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج المتخصص.
المشروع، الذي خرج رسميا إلى حيز التنفيذ عبر إطلاق مديرية التجهيزات طلب عروض دولي لاقتناء هذا النظام الجراحي المتطور، يعكس انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة في تدبير السياسات الصحية عنوانها الانتقال من منطق التوسيع الكمي للبنيات إلى منطق الجودة والدقة والنجاعة عبر إدخال أنظمة تعتمد على المساعدة الروبوتية في إجراء العمليات الجراحية، بما يتيح تقليص هامش الخطأ البشري ورفع مستوى الأمان الطبي إلى درجات أعلى.
ويمثل النظام المرتقب، منصة جراحية متكاملة قادرة على الاشتغال عبر أكثر من 33 أداة جراحية متطورة إلى جانب ملحقات دقيقة تسمح بالوصول إلى مناطق معقدة داخل جسم الإنسان كانت في السابق تشكل تحديا كبيرا أمام الجراحين، خاصة في العمليات الدقيقة المرتبطة بالأعصاب أو الأعضاء الحساسة أو الجراحات طفيفة التوغل.
ويمتد نطاق استخدام هذا النظام إلى عدد واسع من التخصصات الحيوية من بينها الجراحة العامة وجراحة المسالك البولية وأمراض النساء وجراحة الصدر، وجراحة الأطفال، فضلا عن جراحة الأنف والأذن والحنجرة، وهو ما يمنح المنظومة الصحية الجهوية بفاس قدرة غير مسبوقة على التعامل مع حالات معقدة دون الحاجة إلى تحويل المرضى نحو مدن أخرى أو اللجوء إلى العلاج بالخارج، في وقت كانت فيه مثل هذه الحالات تفرض أعباء إضافية على المرضى وأسرهم، سواء من حيث التكلفة أو الزمن أو المعاناة النفسية.
ولا تتوقف رهانات هذا المشروع عند حدود إدخال تكنولوجيا جديدة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل تجربة العلاج داخل المستشفى العمومي، حيث يُرتقب أن تساهم الجراحة الروبوتية في تقليص مدة العمليات، وخفض نسب النزيف والمضاعفات، وتقليص فترات الاستشفاء، وتسريع تعافي المرضى، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تخفيف الضغط على الأسرة الاستشفائية، وتحسين مردودية المؤسسات الصحية، ورفع جودة الخدمات المقدمة.
وفي خلفية هذا المشروع، يبرز البعد الترافعي والسياسي الذي واكب إخراجه إلى حيز التنفيذ حيث كشف النائب البرلماني عن دائرة فاس عبد المجيد الفاسي الفهري أن هذا الورش جاء نتيجة مسار من النقاشات والترافع انطلق من مبادرة علمية أثارها البروفيسور سفيان ملاس، قبل أن تتحول إلى قضية مؤسساتية تمت متابعتها والدفع بها داخل دوائر القرار.
وأوضح الفاسي الفهري أن الفكرة تعززت لديه بعد هذا النقاش الأولي، ما دفعه إلى الترافع من أجل إدراج فاس ضمن المدن المستفيدة من هذا النوع من المشاريع خاصة وأن الحكومة كانت قد أطلقت مبادرات مماثلة في مدن أخرى، معتبرا أن تحقيق العدالة المجالية في الصحة يفرض توزيع هذه التكنولوجيا المتقدمة بشكل متوازن.
وفي هذا الإطار، أشار المسؤول البرلماني إلى أنه سبق أن أثار الموضوع بشكل علني في برنامج “VIRAL” على قناة ميدي1 تي في بتاريخ 4 يوليوز 2025، مباشرة بعد لقاء جمعه بوزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي مبرزا أن تفاعل الوزارة مع هذا الطرح وتسريعها لإخراج المشروع إلى حيز التنفيذ يعكس دينامية جديدة في التعاطي مع المبادرات الترافعية المرتبطة بالسياسات العمومية.
وشدد الفاسي الفهري على أن هذا المشروع “ليس مجرد اقتناء تجهيز طبي” بل يمثل تحولا نوعيا في فلسفة العلاج،معتبرا أنه سيمنح المرضى أملا جديدا من خلال عمليات أكثر دقة ومعاناة أقل وفترات تعافٍ أسرع كما سيساهم في تخفيف الضغط على المستشفيات وتسريع دوران الأسرة وتمكين الأطر الصحية من وسائل عمل أكثر تطورا تستجيب لمتطلبات الطب الحديث.
وفي المحصلة، يعتبر مشروع الجراحة الروبوتية بفاس خطوة ضمن مسار أعمق لإعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة عنوانها الجودة والتكنولوجيا والنجاعة في أفق تقليص الفوارق وتحسين تجربة المريض وتعزيز مكانة المغرب ضمن الدول التي اختارت الاستثمار في الطب الحديث كرافعة استراتيجية للإصلاح، مع ما يحمله ذلك من رهانات كبرى تتجاوز غرفة العمليات إلى صميم الثقة في السياسات العمومية.




تعليقات
0