
في كل مدينة توجد فئة لا تتصدر المشهد، ولا تُذكر كثيراً في تقارير الإنجاز، لكنها تبقى حاضرة في كل التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة ممكنة. فقبل أن تستيقظ الشوارع، وقبل أن تُفتح المرافق، وقبل أن تنتهي التظاهرات والأنشطة، هناك أيادٍ تعمل بصمت حتى تستمر المدينة في أداء وظائفها.
إنهم العرضيون… أولئك الذين يعيشون في الظل، لكنهم يحملون جزءاً من ثقل المدينة على أكتافهم.
في مدينة الدروة، يقدر عدد هؤلاء العمال بحوالي 213 عاملاً وعاملة، يشتغلون في مجالات متعددة؛ من النظافة إلى العتاد والحفلات، ومن تهيئة الفضاءات إلى حراسة المرافق العمومية والإدارية. بعضهم يقضي 12 ساعة أو أكثر في العمل، مقابل أجر لا يتجاوز 1900 درهم شهرياً، دون تغطية صحية، ودون تعويضات عائلية، ودون استقرار مهني واضح.
لكن ما يستحق الوقوف عنده ليس فقط صعوبة الوضع الحالي، بل السؤال الأعمق: كيف وصلنا إلى هنا؟
فما يعيشه هؤلاء اليوم، وفق الطرح الذي يفرض نفسه عند الاقتراب من الملف، لا يبدو وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات؛ سنوات كان فيها التعامل مع هذا الملف بمنطق التدبير المرحلي والحلول المؤقتة، بدل البحث عن معالجة جادة وجذرية قادرة على إنهاء حالة الانتظار المستمر.

كلما ظهرت الحاجة إلى اليد العاملة تم الاعتماد على هذه الفئة، وكلما طُرح سؤال الحقوق والوضعية الاجتماعية والمهنية تأجل الحسم. وهكذا تشكل واقع يثير أكثر من علامة استفهام: مهام يومية وأساسية تؤدى باستمرار… لكن داخل وضعية لا تمنح وضوحاً ولا أفقاً.
واليوم، وبعد سنوات من هذا التراكم، بدأت النتائج تظهر بوضوح.
أسر تعيش على الحد الأدنى، وعمال يضمنون استمرارية خدمات المدينة دون أن يضمنوا استمرارية التوازن داخل بيوتهم، وأشخاص يسهرون على المرفق العمومي دون أن يشعروا أنهم جزء مستقر من منظومته الاجتماعية.
وفي سياق إعداد هذا الملف، لم تكتف جريدة الألباب 360 بالوقوف عند الأرقام والمعطيات فقط، بل اختارت الاقتراب من الإنسان خلف الملف.
وخلال إنجاز تحقيق صحفي حول وضعية هذه الفئة، والجلوس إلى عدد من العمال العرضيين والاستماع إلى شهاداتهم اليومية، برز انطباع قوي لدى هيئة التحرير: أن القضية أكبر من أن تختزل في مقال صحفي.
فبين الكلمات ظهرت تفاصيل لا تُكتب بسهولة؛ تفاصيل مرتبطة بالقلق اليومي، وبأسئلة المعيشة، وبالإحساس المستمر بعدم وضوح المستقبل.
ومن هنا، قررت الجريدة ألا يتوقف العمل عند حدود النص، بل شرعت في إعداد شريط مصور في شكل ربورتاج خاص يرصد واقع هذه الفئة، وينقل صوتها وتجربتها كما هي، بعيداً عن الأحكام المسبقة وبقرب أكبر من الحقيقة الميدانية، على أن يتم نشره لاحقاً.

وهنا يعود السؤال الذي لا ينبغي أن يُفهم كمزايدة، بل كحق في المساءلة العمومية:
كيف لمجلس يُراد له تدبير المدينة وقيادة تنميتها أن يبقى عاجزاً عن فك شفرة وضعية مواطنين يساهمون يومياً في استمرار خدماتها؟
كيف يمكن الحديث عن الحكامة وجودة الخدمات، بينما توجد فئة تؤدي أدواراً أساسية وما تزال تنتظر وضوحاً في وضعها؟
وهل هؤلاء العمال مكملون للعمل داخل المدينة… أم مكبلون داخل واقع مهني واجتماعي لا يمنحهم لا الاستقرار ولا الأفق؟
فالمدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى أيضاً بالإنصاف.
وقد يكون الوقت قد حان للانتقال من منطق تدبير الحاجة إلى منطق تدبير الكرامة… لأن الذين يحملون المدينة كل يوم، لا ينبغي أن يبقوا خارج حساباتها.




تعليقات
0