برلمان جديد أمام ملفات تشريعية حاسمة: ما ينتظر المغاربة في السنة التشريعية الأولى
مع افتتاح الملك محمد السادس، في 9 أكتوبر الجاري، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للبرلمان الجديد، الذي خرج عن نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر الماضي، تواجه المؤسسة التشريعية أجندة تشريعية ضخمة، تضم نصوص قانونية كبيرة وملفات مجتمعية كانت معلقة منذ سنوات، في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة وتحديد الأولويات البرلمانية. يأتي هذا الانتقال التشريعي في مرحلة انتقالية سياسية ودستورية، حيث تتزامن بداية الولاية البرلمانية الجديدة مع ترقب كبير حول مصير مشاريع قوانين استأثرت بجدل واسع في السنوات السابقة، فضلاً عن النصوص التي أعدتها وزارة العدل خلال فترة الحكومة السابقة، سواء في مرحلة إعدادها أو مراجعتها أو تطابقها مع التغيرات القانونية والمؤسسية الأخيرة. في المرحلة المقبلة، ستشهد المؤسسة التشريعية نقاشات شاملة حول ملفات مؤجلة، خاصة تلك المتعلقة بإصلاح منظومة العدالة، وحقوق الإنسان والحريات، بالإضافة إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، ستواجه عملية التشريع تحديات كبيرة في تسريع وتيرة العمل التشريعي وتحقيق توافق حول الملفات الخلافية، وسط ضغوط الزمن والاحتياجات المجتمعية الملحة. —
سياق تشريعي انتقالي
تأتي هذه الولاية التشريعية بعد نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر، حيث برز حزب الأصالة والمعاصرة كقوة رئيسية لترؤس الحكومة الجديدة. أمام هذا الواقع السياسي، ستجد الأغلبية البرلمانية والمعارضة أنفسهما أمام حزمة من النصوص القانونية التي وصلت إلى مرحلة متقدمة في الحكومة السابقة، حيث تم إعداد معظمها بالفعل وتجهيزه للبرلمان الجديد. لكن هذا الانتقال يفرض إيقاعًا سريعًا، مع ضرورة الحرص على تجنب أي ثغرات في النصوص التي ستؤثر على حياة المغاربة لعقود قادمة. فالتشريع الجديد يجب أن يكون دقيقًا ومتوازنًا، حتى لا يتسبب في خلل في المنظومات القانونية أو الإجتماعية. —
القانون الجنائي: أولويات برلمانية حاسمة
يتصدر مشروع تعديل القانون الجنائي قائمة الأولويات التشريعية، حيث يحمل هذا النص تعديلات حساسة، منها تنظيم التواصل الاجتماعي وتقنين الفضاء الرقمي. الهدف الرئيسي هو وضع حد للجرائم الإلكترونية، خاصة تلك التي تضر بالأعراض الشخصية، بالإضافة إلى جرائم التشهير التي شهدت زيادة في السنوات الأخيرة. ويعد هذا المشروع من أكثر النصوص حساسية، حيث يتضمن مقتضيات رقمية جديدة، مثل حق المتضررين من صورهم دون موافقتهم في المطالبة بالتعويض، بالإضافة إلى تشديد العقوبات على نشر الأخبار الزائفة. ومع ذلك، يثير هذا النص نقاشًا حول التوازن بين حماية الكرامة الشخصية وضمان حرية التعبير، فضلاً عن كيفية تجنب إساءة استخدام العقوبات في بعض الحالات. —
مدونة الأسرة: تعديلات متقدمة دون دخول البرلمان
بلغت مراجعة مدونة الأسرة مرحلة متقدمة، حيث قدم فريق العمل 139 مقترحًا لتعديلها، شمل جميع الكتب السبعة. وقد أعلنت الحكومة في يناير الماضي عن تشكيل لجنة لصياغة النص النهائي، تضم وزارات مختلفة والأمانة العامة للحكومة. من أبرز المقترحات المطروحة تحديد سن الزواج بحد أدنى 18 عامًا، مع استثناءات مؤطرة في حالة بلوغ 17 عامًا، بالإضافة إلى جعل النيابة القانونية حقًا مشتركًا بين الزوجين، وتقليص مدة البت في طلبات الطلاق إلى ستة أشهر. وقد أكد وزير العدل السابق على أن النص قد خضع لنقاشات واسعة مع المجلس العلمي ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. —
التزامات والتجارة: تعديلات قانونية متوقعة
ستشمل أجندة البرلمان أيضًا تعديلات على قانون الالتزامات والعقود، وجزء من مدونة التجارة، بالإضافة إلى إعادة النظر في نظام الشراء التجاري للقروض، وقانون التوثيق، ومشروع إنشاء “البنك الوطني للبصمات الجينية”. وفي هذا السياق، فقد صادق مجلس النواب في يناير 2026 على مشروع القانون 71.24 المعدل لمدونة التجارة، الذي يتعلق بالشيكات بدون مؤونة، مما يشير إلى أن الدورة التشريعية الحالية ستتناول مقتضيات أخرى. —
المهن القضائية: ملفات معقدة تحت المراجعة
تنتظر النصوص التطبيقية لقانون المحاماة 66.23، بالإضافة إلى قوانين مهنتي العدول والخبراء القضائيين، إكمال المراجعة والإعداد. وتزيد حساسية هذا الملف من إضرابات جمعية هيئات المحامين، التي استمرت منذ منتصف يونيو الماضي. سيكون هذا الملف اختبارًا سياسيًا للبرلمان الجديد، حيث ستختبر القوى السياسية قدرتها على التوافق حول الأولويات التشريعية. مع وجود حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة الحكومة، والعدالة والتنمية في المعارضة، بالإضافة إلى تحالف اليسار الذي يدافع عن المساواة والحقوق، فإن السؤال المطروح هو ما إذا ستُرتّب الأولويات بمنطق التعاون والتوافق، أم ستعود القضايا المتعلقة بالأسرة والحريات الفردية والفضاء الرقمي إلى واجهة الخلافات السياسية.




تعليقات
0