
في مدينة تتحرك تحت صقيع الليل، وتتنفس برداً ثقيلاً يهبّ من سهول الشاوية، اختارت مندوبية التعاون الوطني بسطات، بتنسيق مع السلطات المحلية، أن تشعل شمعة في هذا العتم. حملة واسعة النطاق انطلقت، هدفها واحد: البحث عن الأرواح التي تاهت في الشوارع، وجمع من فقدوا سقفاً فوق رؤوسهم، قبل أن يلتهمهم البرد الذي يضرب عاصمة الإقليم في هذه الأيام بقسوة غير معتادة.

ليلة بعد أخرى، خرجت فرق مختلطة من التعاون الوطني والسلطة المحلية وأعوانها، ومعهم فاعلون اجتماعيون، إلى الأزقة والشوارع والساحات. حملوا معهم رسالة إنسانية خالصة، وفتشوا في زوايا المقاهي، أمام الأبواب المهجورة، وفي الفضاءات الخالية التي اتخذها المشردون فراشاً وغطاءً مفتوحاً على الريح.
وبمجرد العثور عليهم، كانوا يُنقلون بحذر نحو مركز الأشخاص دون مأوى القار بالمركب الاجتماعي متعدد الاختصاصات، حيث ينتظرهم دفء المأوى، وابتسامات صامتة تخبرهم أن هناك من تذكّرهم ولو لوهلة.
هذه المبادرة، كما تؤكد مصادر متطابقة، لا تأتي فقط كاستجابة ظرفية لموجة البرد، بل كترجمة لروح التضامن التي ما تزال نابضة في مؤسسات هذا الوطن. فحماية الفئات الهشة ليست ترفاً، بل التزام أخلاقي، ورسالة إنسانية تُعلي قيمة الكرامة قبل أي شيء آخر.
لكن خلف هذا المشهد المفعم بالعطاء، ارتفعت أصوات تلوّح بمخاوف صحية مشروعة. فبين هؤلاء المشردين أشخاص يعانون من أمراض معدية، يعيشون منذ شهور في ظروف تنعدم فيها النظافة تماماً. الأمر الذي يجعل عملية تجميعهم داخل سيارات الإسعاف أو مركبات التعاون الوطني، دون مراعاة شروط الحماية والوقاية، مخاطرة قد تنعكس سلباً على صحتهم وصحة من يقدمون لهم المساعدة.
ويشير متابعون إلى أن عودة هؤلاء الأشخاص إلى الشارع بعد انتهاء فترة الإيواء، قد تعيد إنتاج المشكلة بشكل أكبر، إن لم تُرفق هذه المبادرة بخطة صحية موازية تشخص الحالات، وتعالجها، وتضمن انتقالهم من حياة التشرد إلى مسار يليق بإنسانيتهم.
ورغم كل التخوفات، تبقى هذه الحملة خطوة مضيئة في زمن قاسٍ، تؤكد أن في سطات قلباً نابضاً يرفض أن يترك أبناءه وحدهم في مواجهة البرد. غير أن نجاحها الحقيقي لن يكتمل إلا حين تتحول إلى مقاربة شاملة، ترى في المشرد ليس مجرد جسد يجب حمايته من البرد، بل إنساناً يحتاج لإعادة بناء حياته… بعيداً عن الأرصفة، قريباً من الدفء الذي يستحقه.



تعليقات
0