
قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، وقبل أن تبدأ الحملة الانتخابية رسمياً، تكون معركة أخرى قد حُسم جزء كبير منها داخل المكاتب المغلقة للأحزاب. هناك، بعيداً عن الشعارات والبرامج، تُدار واحدة من أكثر الحروب السياسية صمتاً وتأثيراً: حرب التزكيات. في تلك اللحظة تحديداً يتقرر من سيحمل ألوان الحزب في الانتخابات، ومن سيجد نفسه خارج اللعبة السياسية، حتى قبل أن يقول الناخب كلمته.
ففي كل محطة انتخابية، تتحول التزكية الحزبية إلى مفتاح العبور نحو البرلمان، وإلى ورقة سياسية ثمينة يتنافس عليها الطامحون إلى الترشح. لكن ما يفترض أن يكون آلية ديمقراطية داخلية لاختيار المرشحين، يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع خفي بين القيادات والوجوه الصاعدة، حيث تتشابك الحسابات الشخصية مع موازين النفوذ داخل الأحزاب.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في خريف 2026، بدأت ملامح هذا الصراع تتشكل مبكراً في عدد من الدوائر الانتخابية، حيث شرع عدد من الفاعلين السياسيين في تكثيف اتصالاتهم بقيادات أحزابهم، في محاولة لكسب ثقتها وضمان تزكية الترشح. وفي المقابل، دخلت أسماء جديدة على خط المنافسة، مستفيدة أحياناً من مواقع المسؤولية التي تشغلها أو من شبكات علاقاتها داخل المجال السياسي والإداري.
هذا الحراك المبكر لا يعكس فقط دينامية انتخابية معتادة، بل يكشف أيضاً عن صراع صامت حول النفوذ والتموقع داخل الحقل الحزبي، صراع كثيراً ما ينتهي بإقصاء أسماء أو انتقال أخرى إلى أحزاب مختلفة بحثاً عن فرصة جديدة للترشح.
وفي عدد من الأقاليم، بدأت مؤشرات هذا التنافس تظهر بوضوح. ففي إقليمي سطات وبرشيد، على سبيل المثال، تتحدث مصادر سياسية عن تحركات مبكرة لعدد من الفاعلين السياسيين الذين يسعون إلى تثبيت مواقعهم قبل لحظة الحسم في لوائح الترشح، في مشهد يعكس طبيعة المنافسة التي تسبق عادة كل استحقاق انتخابي داخل الأحزاب.
غير أن ما يجري داخل التنظيمات السياسية اليوم لا يقتصر على مجرد تنافس انتخابي، بل يعكس في العمق أزمة بنيوية تعيشها المنظومة الحزبية. فبدل أن تتحول مرحلة التحضير للانتخابات إلى فرصة لفتح نقاش سياسي حول البرامج والرؤى المجتمعية، تتحول في كثير من الأحيان إلى صراع حول المواقع الانتخابية.
هذا الواقع يعكس، في نظر عدد من المتابعين، تراجع الدور التأطيري للأحزاب داخل المجتمع، حيث يبدو أن العديد منها أصبح منشغلاً بإدارة صراعاته الداخلية أكثر من انشغاله بإنتاج أفكار سياسية قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

كما أن انغلاق بعض الأحزاب على دوائر ضيقة من القيادات التقليدية، مقابل ضعف انفتاحها على الشباب والمجتمع المدني، ساهم في تعميق فجوة الثقة بينها وبين فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب.
وفي هذا السياق، لم تعد أزمة الأحزاب تُقاس فقط بنسبة المشاركة في الانتخابات أو بحجم الانخراط الحزبي، بل أصبحت مرتبطة أساساً بطبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة. فالكثير من المواطنين لم يعودوا يتساءلون فقط عن نتائج الانتخابات، بل عن جدوى السياسة نفسها وقدرتها على إحداث التغيير.
ولعل المفارقة التي يطرحها هذا الواقع أن أحزاباً لعبت في مراحل سابقة أدواراً مركزية في تأطير المجتمع وصناعة النقاش العمومي، تبدو اليوم وكأنها تدور في حلقة مغلقة من الصراعات التنظيمية التي تستنزف جزءاً كبيراً من طاقتها.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تبدو معركة التزكيات وكأنها الفصل الأول من سباق سياسي طويل. غير أن الأسئلة التي يطرحها هذا الصراع تتجاوز مجرد توزيع الترشحات أو نتائج صناديق الاقتراع.
فالمشهد السياسي المغربي يقف اليوم أمام سؤال أكثر عمقاً:
هل ما تزال الأحزاب قادرة على تجديد نخبها واستعادة ثقة المجتمع؟ أم أننا أمام مرحلة يتراجع فيها المعنى السياسي لصالح مشهد انتخابي تتحكم فيه حسابات التموقع أكثر مما تحكمه المشاريع؟
إنها أسئلة مفتوحة على المستقبل، في وقت يبدو فيه أن السياسة مستمرة في أداء أدوارها على خشبة المسرح، بينما يزداد شعور جزء من المجتمع بأن الأضواء قد خفتت منذ زمن




تعليقات
0