
لم تعد أزمة تصاريح الاستعمال المؤقت للمركبات (WW) مجرد خلل إداري عابر، بل تحولت إلى مؤشر دالّ على اختلال أعمق في تدبير مرفق حيوي يرتبط بواحد من أكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد الوطني. فالسؤال الكتابي الذي وجّهه النائب البرلماني محمد بوعمري إلى وزير النقل واللوجستيك لا يكتفي برصد الأزمة، بل يكشف عن فجوة متنامية بين سرعة التحولات الاقتصادية وبطء التفاعل الإداري.
منذ يونيو 2025، دخل نظام تسليم هذه التصاريح في حالة اضطراب مزمن، عنوانها الأبرز: الندرة. غير أن ما يبدو في الظاهر إشكالاً تقنياً، يخفي في العمق أعطاباً بنيوية تتعلق بالحكامة، وبتدبير الموارد، وبمنطق اشتغال الإدارة نفسها. فتعطيل وثيقة بسيطة، لكنها أساسية قانوناً، كان كافياً لشلّ جزء مهم من سلسلة تسويق السيارات، وتعريض مصالح شركات وزبناء للضرر.
الأخطر في هذه الوضعية ليس فقط أثرها الاقتصادي المباشر، بل الرسالة التي تبعثها: قطاع صناعي يحقق قفزات نوعية ويعزز موقع المغرب دولياً، يقابله جهاز إداري غير قادر على مواكبة هذه الدينامية بنفس الوتيرة. هنا تتجلى المفارقة التي أشار إليها النائب بوعمري، والتي تعيد طرح سؤال “السرعتين” في تدبير الشأن العام.
إشكالية المركزية بدورها تبرز كعامل مضاعف للأزمة. فحصر تسليم التصاريح في الرباط يُحوّل خدمة إدارية إلى عبء لوجستيكي، خاصة على الفاعلين القادمين من جهات بعيدة. ومع محدودية الدفاتر المتاحة وارتفاع تكلفتها، يصبح الولوج إلى هذه الخدمة أقرب إلى “امتياز” منه إلى حق إداري مكفول، وهو ما يفتح الباب أمام اختلالات غير مباشرة، ويطرح تساؤلات حول الشفافية وتكافؤ الفرص.
ما يحدث اليوم يضع وكالة NARSA أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الانتقال من منطق التدبير المركزي التقليدي إلى نموذج أكثر مرونة ونجاعة؟ وهل يمكن إعادة بناء الثقة مع الفاعلين عبر حلول مبتكرة، كرقمنة المساطر أو إحداث وحدات متنقلة؟
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بتصاريح “WW”، بل بنموذج تدبير بأكمله. نموذج إما أن يواكب التحولات ويستجيب لانتظارات الفاعلين، أو يظل عائقاً أمامها. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو ضمان انسجام السياسات العمومية، حتى لا يستمر المغرب في التقدم اقتصادياً بسرعة، بينما تجرّه بعض أعطابه الإدارية إلى الخلف.





تعليقات
0