# الملك والموازين الجديدة: كيف يعيد المغرب هندسة سيادته الاستراتيجية؟
لا تُختبر قوة دولة في لحظات التوافق مع القوى الكبرى، بل في تلك اللحظات الحرجة التي تتعارض فيها المصالح. هناك، تتكشف موازين القوة الحقيقية، وتظهر قدرة الدولة على الحفاظ على سيادتها دون أن تتضحي بالشراكات الاستراتيجية التي تبنيها على مدار سنوات. الدبلوماسية، في جوهرها، ليست فنًا لإدارة التوافقات فقط، بل هي القدرة على تدبير الاختلاف مع الأقوياء، وتحديد كلفته، والحيلولة دون أن يتحول التفاوت في القوة إلى تبعية سياسية أو إلى اختلال مستدام في شروط الشراكة.
في خطاب ألقاه جلالة الملك محمد السادس أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض، بتاريخ 20 أبريل 2016، أكد جلالته على مبدأ أساسي في السياسة الخارجية للمملكة: «المغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد». هذه العبارة لم تكن مجرد تأكيد على استقلال القرار الوطني، بل كانت ردًا على أي محاولة لإخضاع السيادة المغربية لإرادة خارجية. لم يكن هذا الموقف تعبيرًا عن عزلة عن الحلفاء أو تنصل من الالتزامات، بل تأكيدًا على قاعدة استراتيجية مفادها أن قوة الشراكات لا تقاس بدرجة التبعية السياسية، وإنما بقدرتها على احترام استقلال الاختيارات الوطنية واحترام المصالح السيادية المتبادلة.
تكتسب هذه التجربة الدبلوماسية لجلالة الملك محمد السادس دلالتها الاستراتيجية الأعمق عندما نلاحظ كيف واجه المغرب خلال أكثر من ربع قرن من التحولات الدولية المتسارعة أزمات مع قوى تفوقه في الإمكانات المادية والنفوذ الدولي. ومع ذلك، لم تتحول هذه الأزمات إلى تبعية سياسية، بل إلى فرص استقراء منطق دبلوماسي يقوم على ثبات المصالح السيادية، ومرونة الوسائل، والقدرة على إعادة التفاوض بشأن شروط الشراكة. كيف تستطيع دولة لا تمتلك موارد القوى الكبرى، بحسن تقديرها للمصالح والتوازنات وتوظيفها لمواردها الاستراتيجية، أن توسع هامش استقلال قرارها، وأن تؤثر في حسابات شركائها دون الدخول في مواجهة تستنزف مقومات قوتها؟
الإجابة تتجاوز قراءة الأزمات بوصفها أحداثًا منفصلة. إنها تفتح المجال أمام فهم أعمق لما يمكن تسميته إعادة هندسة موازين القوة، ليس بمعنى تغيير التراتبية الدولية للقوى، ولكن باعتبارها قدرة الدولة على تعديل الحسابات الاستراتيجية لشركائها، والتأثير في شروط العلاقة معهم، بحيث يصبح احترام مصالحها السيادية عنصرًا مؤثرًا في تقديرهم لكلفة الخلاف ومنافع التعاون. وفي هذا الأفق، تبرز ملامح عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية، التي تتأسس على إدراك دقيق للفارق بين امتلاك الحق السيادي وامتلاك الموارد التي تحمي استقلال ممارسته.
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، شهدت العلاقات الدبلوماسية للمغرب أزمات مع الولايات المتحدة خلال رئاستي باراك أوباما ودونالد ترامب، وفرنسا خلال رئاستي فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، وإسبانيا في عهدي حكومتي خوسيه ماريا أثنار وبيدرو سانشيز، فضلاً عن ألمانيا والسويد. تباينت هذه الأزمات في أسبابها وحدتها ومآلاتها، غير أنها تتيح استقراء تطور المقاربة المغربية في تدبير علاقاتها مع شركاء تتفاوت معهم موازين القوة والنفوذ. لم يعد الرهان الدبلوماسي يقتصر على المحافظة على الشراكات القائمة، بل اتسع ليشمل قدرة المملكة على التأثير في المرجعيات السياسية والاستراتيجية التي تحكم تلك الشراكات، ولا سيما عندما تتصل بمصالحها السيادية.
وتسمح هذه التجارب باستقراء ملامح ما يمكن تسميته عقيدة السيادة التفاوضية في الدبلوماسية الملكية. المقصود بها قدرة الدولة المغربية على تحديد المجال الذي تقبل داخله المساومة السياسية، والمجال الذي تعتبره مرتبطًا بمصالحها الأساسية، مع امتلاك المرونة اللازمة لتغيير الوسائل دون تغيير الغايات. هذه العقيدة لا تعني رفض التفاوض أو استبعاد التسويات، ولكنها تعني ألا يتحول تفاوت القوة إلى حق للطرف الأقوى في تحديد أولويات الطرف الآخر.
وخلال هذه الأزمات، شهد المغرب تغيرًا في توزيع النفوذ، وتزايد أهمية الأمن الإقليمي، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والتعاون الاستخباراتي، والطاقات الاستراتيجية. أصبح الموقع المغربي عند التقاء الأطلسي بالمتوسط، وامتداده الأفريقي، وشراكاته الأمنية والاقتصادية، عناصر تدخل في حسابات القوى التي تربطه بها علاقات وثيقة. غير أن الموقع الجغرافي لا يولد قوة تفاوضية تلقائية. القيمة الاستراتيجية للجغرافيا تتوقف على قدرة الدولة على تنظيمها وتحويلها إلى وظائف اقتصادية وأمنية ودبلوماسية يحتاج إليها الشركاء. وهنا تبرز أهمية السيادة الوظيفية الفعالة، باعتبارها قدرة الدولة على تحويل موقعها ومؤسساتها وبنيتها التحتية وشبكات علاقاتها إلى موارد فعلية للاستقلال السياسي.
في إدارة الأزمات الدبلوماسية المغربية مع القوى الدولية، يمكن ملاحظة أن إدارة الزمن، وضبط التصعيد، وتعدد قنوات التفاوض، وتنويع شبكة الشراكات، وإعادة تحديد المرجعيات السياسية، شكلت أدوات متكررة في التدبير الدبلوماسي. لكن هذه الأدوات لم تُستخدم بالدرجة نفسها في كل حالة، لأن طبيعة الأزمة وموازين القوة والمصالح المتبادلة كانت تحدد مجال المناورة المتاح. وتبرز خصوصية الدبلوماسية الملكية في تقديرها الدقيق لما يحكم مواقف القوى الكبرى من مصالح وحسابات تتجاوز أحيانًا حدود الخلاف المعلن. فقد أبان تدبير جلالة الملك محمد السادس لعدد من الأزمات الدبلوماسية عن أهمية التحكم في إيقاع التوتر، وتحديد ما يمكن أن تتحمله العلاقة من ضغوط، دون إغلاق المنافذ السياسية التي تسمح بتجاوز الخلاف. وفي هذا التدبير، لا تنحصر أهمية التسوية في استئناف التواصل، وإنما تتصل بما قد تفضي إليه من مراجعة لدى الشريك لتقديراته بشأن المصالح المغربية.
وتتضح المرجعية السيادية لهذا المنطق في الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، في 20 غشت 2022، حين أكد جلالة الملك محمد السادس أن «ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات». هذا التحديد الملكي للعلاقات الخارجية جعل الموقف من الوحدة الترابية للمملكة عنصرًا أساسيًا في تقدير طبيعة الشراكات ومصداقيتها. ومن هنا، يمكن الحديث عن تراتبية سيادية للمصالح الدبلوماسية، لا تتساوى فيها جميع الملفات من حيث أثرها في القرار الخارجي، ولا تستطيع فيها كثافة المصالح الاقتصادية أو الأمنية أن تعوض تلقائيًا غياب الوضوح السياسي بشأن قضية تمس وحدة الدولة وسيادتها.
وتقتضي دراسة هذه الأزمات مراعاة اختلاف السياقات التي نشأت فيها، وطبيعة المصالح التي كانت على المحك، وموقع كل شريك في الحسابات الاستراتيجية للمملكة. فالتوتر مع واشنطن لا يخضع بالضرورة للمنطق نفسه الذي حكم الخلاف مع مدريد أو باريس أو برلين أو ستوكهولم، وإن تقاطعت هذه الحالات حول قضايا تمس المصالح السيادية المغربية. كما أن تغير الحكومات، وتحول الأولويات الدولية، وتداخل الاعتبارات الداخلية مع الالتزامات الخارجية، عوامل تؤثر في نشوء الأزمات وفي فرص احتوائها. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند كل تجربة في سياقها السياسي والاستراتيجي، وتتبع كيفية تدبيرها في ظل التوجيه الملكي، وما ترتب عليها من تحولات في مواقف الشركاء وشروط التعاون معهم.
—
واشنطن ومدريد في عهد أثنار — إدارة اختلال القوة والتحكم في سقف المواجهة
شكلت الأزمة المغربية الأمريكية سنة 2013، خلال رئاسة باراك أوباما، اختبارًا دقيقًا للعلاقة بين استقلال القرار السيادي ومتطلبات التحالف الاستراتيجي. فقد أثار المقترح الأمريكي الرامي إلى توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان اعتراضًا مغربيًا قويًا، بالنظر إلى ما اعتبرته الرباط مساسًا بطبيعة المهمة الأممية وتغييرًا محتملاً للتوازنات السياسية والقانونية المحيطة بقضية الصحراء المغربية. كانت حساسية المبادرة نابعة أيضًا من موقع واشنطن داخل مجلس الأمن، ودورها المحوري في صياغة القرارات المتعلقة بهذا الملف، بما يمنح توجهاتها الدبلوماسية وزنًا يتجاوز نطاق العلاقات الثنائية.
نشأت هذه الأزمة داخل شراكة مغربية أمريكية ذات امتدادات أمنية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية عميقة. منذ سنة 2004 مُنح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، وتوقيع اتفاقية التبادل الحر في السنة نفسها، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2006، جعلت المملكة أول بلد أفريقي يرتبط بالولايات المتحدة باتفاق من هذا النوع. اكتسبت العلاقة الثنائية مرتكزات مؤسساتية ومصالح استراتيجية متداخلة، حيث نظرت واشنطن إلى المغرب بوصفه شريكًا مهمًا في مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي والاستقرار في شمال أفريقيا والساحل، فيما شكل التعاون مع الولايات المتحدة أحد المكونات الأساسية للسياسة الدفاعية والأمنية المغربية.
وفي ظل هذا الترابط، واجه التدبير الملكي للأزمة معادلة استراتيجية دقيقة: كيفية الاعتراض على توجه صادر عن القوة الأكثر نفوذًا في النظام الدولي، دون السماح للخلاف بأن يمتد إلى الأسس التي يقوم عليها التحالف. كان المغرب معنيًا بحماية موقفه السيادي داخل المسار الأممي، مع إدراك ما قد يترتب على التصعيد غير المحسوب من انعكاسات على شبكة واسعة من المصالح المشتركة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة القرار الأمريكي نفسه، الذي يتشكل عند تقاطع اعتبارات الإدارة والكونغرس والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية وحسابات السياسة الدولية. ومن ثم، كان التعامل مع واشنطن يقتضي تقدير موازين التأثير داخل منظومة القرار الأمريكي، والتحكم في مستوى الاعتراض بما يحول دون انتقال الخلاف من قضية محددة إلى أزمة شاملة في العلاقات الثنائية.
اتجهت الدبلوماسية المغربية إلى الاعتراض السياسي والدبلوماسي مع الإبقاء على قنوات التواصل، في سياق انتهى باعتماد مجلس الأمن القرار 2099 في أبريل 2013 دون تضمينه توسيع ولاية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. ثم جاء زيارة جلالة الملك محمد السادس إلى واشنطن في نوفمبر من السنة نفسها لتؤكد استمرار الشراكة الاستراتيجية، حيث وصف البيان المشترك المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها جدية وواقعية وذات مصداقية، مع التأكيد على دعم المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة. هذا التسلسل سمح باحتواء الخلاف حول ولاية البعثة الأممية دون إحداث قطيعة في التعاون بين البلدين.
وتكشف هذه التجربة عن إحدى آليات التدبير الملكي للعلاقات غير المتكافئة، يمكن تأطيرها بمفهوم الردع الدبلوماسي غير التصادمي، القائم على إظهار حساسية المصالح السيادية للمملكة، مع المحافظة على المقومات التي تجعل استمرار الشراكة ذا قيمة استراتيجية للطرفين. فقد أتاح التمييز بين الاعتراض على قرار محدد والمحافظة على التحالف القائم توسيع هامش المناورة المغربية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وهنا تبرز المرونة المرجعية باعتبارها القدرة على تنويع أدوات التعامل مع الشريك، مع ثبات الموقف من القضية السيادية التي نشأ حولها الخلاف.
ومع ذلك، لم يفضِ احتواء أزمة 2013 إلى اعتراف أمريكي صريح بالسيادة المغربية على الصحراء خلال رئاسة باراك أوباما، رغم استمرار واشنطن في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي بوصفها مقترحًا جديًا وذا مصداقية.
غير أن الدلالة الاستراتيجية للتدبير الملكي للعلاقات المغربية الأمريكية لا تستقيم قراءتها في حدود أزمة المينورسو سنة 2013 وحدها، وإنما ضمن مسار دبلوماسي طويل النفس، استند إلى رؤية ملكية تستوعب طبيعة منظومة القرار الأمريكي، وتدرك التحولات التي تعيد تشكيل أولويات واشنطن وتحالفاتها الإقليمية. فقد حافظ جلالة الملك محمد السادس على المرتكزات الأساسية للشراكة مع الولايات المتحدة، مع العمل على تعزيز موقع المغرب داخل حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما أتاح توسيع مجالات التقارب وتراكم عناصر الثقة والتأثير.
وتجلت أهمية هذه الرؤية في القدرة على قراءة التحولات الاستراتيجية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإدراك ما تتيحه إعادة ترتيب المصالح الأمريكية من فرص لإحداث تحول نوعي في الموقف من قضية الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، جاء الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية في ديسمبر 2020، خلال رئاسة دونالد ترامب، تتويجًا لمسار دبلوماسي استطاع توظيف عمق الشراكة الثنائية والتقاطع بين المصالح الإقليمية والدولية، ضمن تفاهمات أوسع شملت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا التطور باعتباره أحد أبرز تجليات الاستشراف الاستراتيجي في الدبلوماسية الملكية، حيث تلتقي استمرارية الثوابت السيادية مع القدرة على استيعاب تحولات النظام الإقليمي، واستثمار اللحظة الدبلوماسية الملائمة لنقل موقف قوة عظمى من دعم مقترح الحكم الذاتي إلى الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء.
أما الأزمة مع إسبانيا خلال حكومة خوسيه ماريا أثنار سنة 2002، فقد اختبرت هي الأخرى قدرة المملكة المغربية على ضبط التصعيد عندما ينتقل الخلاف من المجال السياسي إلى الاحتكاك العسكري المباشر. فقد أدى وجود عناصر مغربية في جزيرة ليلى إلى تدخل عسكري إسباني، في سياق تاريخي وجغرافي شديد الحساسية. ولم تكن القيمة العسكرية للجزيرة هي العنصر الحاسم، وإنما رمزيتها السيادية، وما كان يمكن أن ينشأ عن المواجهة من تداعيات على العلاقات المغربية الإسبانية وعلى أمن غرب المتوسط.
كان ميزان القوة العسكرية يميل بوضوح إلى إسبانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن استمرار التصعيد كان سيضع المغرب أمام تكلفة استراتيجية لا تتناسب مع القيمة الميدانية المباشرة للجزيرة. انتهت الأزمة بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، وأعادت الوضع إلى ما كان عليه قبل يوليو 2002، دون تسوية الخلاف القانوني بشأن السيادة.
وتبرز هنا أهمية السيادة الزمنية الدبلوماسية، ليس بمعنى التحكم المطلق في توقيت الأحداث، وإنما بمعنى القدرة على اختيار اللحظة المناسبة لوقف التصعيد، عندما يصبح استمرار المواجهة مضرًا بالمصلحة المراد الدفاع عنها. كما تكشف هذه الأزمة عن مفهوم الاحتواء الاستراتيجي المحدود، الذي يقوم على الفصل بين إدارة الحادث وإدارة النزاع الأصلي. فقد أمكن إنهاء المواجهة الميدانية دون اشتراط حسم الخلاف السيادي، وهو ما سمح بتجنب انتقال حادث جغرافي محدود إلى مواجهة أوسع كانت ستكون لها تداعيات سياسية كبيرة على الجانبين.
وتوضح المقارنة بين واشنطن ومدريد أن إدارة الأزمات لا تستند إلى أداة واحدة. ففي الحالة الأمريكية، كان المطلوب منع انتقال الخلاف السياسي إلى بنية التحالف، بينما تمثل التحدي الإسباني في منع توسع مواجهة عسكرية محدودة. وفي الحالتين، كان تقدير سقف التصعيد عنصرًا أساسيًا في القرار الدبلوماسي الملكي.
—
فرنسا في عهد ماكرون — السيادة الزمنية ونهاية الشراكة القائمة على الامتياز التاريخي
تحتل الأزمة المغربية الفرنسية موقعًا خاصًا في تطور الدبلوماسية الملكية، لأن العلاقة بين الرباط وباريس ظلت لعقود محكومة بإرث تاريخي وثقافي واقتصادي ومؤسساتي عميق. وقد منح هذا الإرث فرنسا موقعًا متميزًا داخل شبكة الشراكات الدولية للمغرب، لكنه لم يمنع ظهور اختلافات بشأن المصالح السياسية والاستراتيجية.
خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، تراكمت التوترات على خلفية تقليص التأشيرات، والاتهامات المرتبطة ببرنامج بيغاسوس التي نفاها المغرب، والتباينات حول موقف باريس من مغربية الصحراء، فضلاً عن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي وجنوب الصحراء.
وكانت الأزمة تعكس في الواقع تغيرًا أوسع في البيئة الاستراتيجية. فقد واجهت فرنسا تراجعًا في حضورها السياسي والعسكري داخل عدد من دول الساحل، بينما كان المغرب يوسع علاقاته الأفريقية، ويعزز حضوره الاقتصادي والأمني، ويطور موقعه في مشروعات الربط الأطلسي والطاقة والتجارة.
في هذه الظروف، لم يعد الإرث التاريخي لفرنسا كافيًا لضمان استمرار العلاقة وفق مرجعياتها السابقة. وأصبحت الشراكة مطالبة بالتكيف مع تطور المصالح المتبادلة ومع التحولات التي عرفها موقع كل طرف. وقد أظهر تدبير الأزمة أهمية السيادة الزمنية بوصفها قدرة على تحمل فترة من الجمود السياسي دون استعجال تسوية لا تعالج أسباب الخلاف الذي أصبح يتخذ آنذاك أشكالاً بنيوية. فالزمن، في العلاقات الدولية، ليس مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث؛ إنه مورد تفاوضي تتفاوت قدرة الدول على استخدامه تبعًا لدرجة اعتمادها على شركائها وحجم البدائل المتاحة لها.
ولم تكن فترة البرود المغربي الفرنسي خالية من التكاليف. فقد أثرت في المناخ السياسي للعلاقة، وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل التعاون. غير أن استمرار المصالح الاقتصادية والبشرية والأمنية حال دون تحول الخلاف إلى قطيعة شاملة.
وفي يوليو 2024، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي تنظر من خلاله فرنسا إلى معالجة النزاع المفتعل. ثم أكد هذا الموقف خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.
وكان هذا التطور تعبيرًا عن تغير واضح في المرجعية الفرنسية المعلنة بشأن قضية الصحراء المغربية، وقد اقترن بإعادة إطلاق الشراكة الاقتصادية والسياسية بين البلدين، ويتخذ بعدًا استثنائيًا من خلال التوقيع على عدة اتفاقيات ومذكرات تعاون في مجالات مختلفة ومتنوعة.
ويمكن تأطير هذه الحالة بمفهوم دبلوماسية تحويل الأزمات، حيث لا تقتصر التسوية على استعادة الاتصالات، بل تتضمن تعديلاً في بعض القواعد السياسية التي تحكم العلاقة في حد ذاتها.
غير أن هذا التحول لم يكن نتيجة عامل واحد. فقد تداخلت فيه المصالح الفرنسية في أفريقيا، والتحولات الجيوسياسية في الساحل، والاعتبارات الاقتصادية والأمنية، وتطور مواقف قوى دولية أخرى. ومن ثم، فإن قراءة الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لضغط دبلوماسي أحادي تتجاهل طبيعة القرار الدولي الذي يتشكل عادة عند تقاطع حسابات متعددة. وهنا تكمن الهندسة الدبلوماسية لجلالة الملك التي تبلورت




تعليقات
0