ملك إسبانيا بين دموع بروتوكولية وقرون من التاريخ الكولونيالي: ما وراء زيارة قبور المهاجرين في سبتة
إن أكثر ما يثير السخرية المريرة هو أن ورثة الإمبراطوريات الكولونيالية تتقن آداب الوقوف أمام جنازات الضحايا قبل أن تتعلم شجاعة مساءلة النظام الذي جعل تلك المآسي ممكنة. ليس المطلوب من أوروبا أن تتقن فن البكاء على موتى الجنوب، بل أن تساهم في بناء عالم لا يضطر فيه أبناء الجنوب إلى دفع الثمن بدمائهم على أبوابها. العدالة لا تكمن في وضع السلطة باقة ورد على قبر مهاجر مجهول، بل في جعل إنقاذ الإنسان الحي أولوية أكبر من حماية صورة الدولة. فقط عندما تتحول زيارة المقبرة من مشهد بروتوكولي متناقض إلى بداية مراجعة تاريخية حقيقية، يمكن أن تتحول الكلمات إلى فعل.
ثمة مشاهد في التاريخ تتجاوز المفارقة حتى تصبح بلاغتها أقوى من أي تحليل سياسي. من هذه المشاهد وقف الملك الإسباني فيليبي السادس، إلى جانب الملكة ليتيثيا، أمام قبور المهاجرين الذين ابتلعهم البحر أثناء محاولتهم العبور إلى أوروبا عبر سبتة. الملك يقف خاشعًا أمام الموتى، في حين تقف خلفه قرون من التوسع الاستعماري، وعقود من سياسات الحدود المغلقة، ومنظومة أوروبية جعلت من حرية التنقل امتيازًا جغرافيًا، بينما تصبح حياة الإنسان بحثًا عن حياة كريمة قد تنتهي في قاع البحر.
يا لها من مفارقة قاسية! ممثل مؤسسة ملكية أوروبية عريقة يؤدي واجب العزاء في ضحايا نظام حدودي تُعدّ دولته أحد حراسه. المشهد يذكّرنا بأولئك الذين يتعلمون السير بخشوع في جنازة إنسان ساهموا، بدرجات متفاوتة، في صناعة الظروف التي أفضت إلى وفاته. لا يتعلق الأمر هنا بتهمة الملك الإسباني شخصيًا بقتل المهاجرين، ولا بادعاء أن الاستعمار وحده مسؤول عن كل مأساة معاصرة، بل بمساءلة البنية التاريخية والسياسية التي تجعل الموت على الحدود نتيجة متكررة، ثم تتعامل معه المؤسسات باعتباره حادثًا طارئًا يستدعي دقيقة صمت، لا مراجعة عميقة للأسباب.
وقف الملك الإسباني أمام قبور لا تحمل أسماء كثير من أصحابها، وإنما أرقامًا باردة تختصر حيوات كاملة. وراء كل رقم، إنسان كان يحمل اسمًا ووجهًا وأمًا تنتظره، وربما طفلًا كان يحلم بالعودة إليه محملًا بهدية صغيرة من أوروبا. لكن الطريق إلى الفردوس الأوروبي الموعود لم يمنحه فرصة الوصول، ولا حتى شرف أن يُكتب اسمه على شاهد قبره. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: أوروبا التي تمنح الإنسان اسمًا وحقوقًا عندما يصل إليها وفق شروطها، تستطيع أن تتركه رقمًا مجهولًا عندما يموت في محاولته الوصول إليها.
الزيارة التي جاء فيها الملك الإسباني إلى سبتة لم تكن مجرد مواساة، بل كانت أيضاً إعلانًا رمزيًا لتثبيت السيادة الإسبانية على المدينتين. في الوقت الذي ينحني فيه الملك أمام الموتى، يؤكد في الوقت نفسه أن الحدود التي حاولوا عبورها تمثل جزءاً لا يتجزأ من سيادة لا يجوز المساس بها. هذا التناقض يبرز أكثر عندما نعلم أن هذه الحدود، التي تحولت إلى مقابر، كانت في الأصل امتدادًا لتاريخ الاستعمار، حيث استحوذت إسبانيا على سبتة سنة 1415، ومليلية سنة 1497، تحت ذريعة السيادة، بينما يراها المغرب امتدادًا ترابيًا له.
لا تكمن المشكلة في فعل الترحم على الضحايا، فالتعاطف الإنساني، مهما كان مصدره، قيمة نبيلة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التعاطف إلى بديل عن المسؤولية، وحين يُطلب منا أن نكتفي بجمال الصورة بينما تظل السياسة التي جعلت هذه الصورة ممكنة خارج المساءلة. ما الذي تعنيه زيارة قبر مهاجر مات وهو يحاول اجتياز حدود مغلقة، إذا لم يصاحبها سؤال عن جدوى السياسات التي تحاصر المهاجرين، وعن غياب المسالك الآمنة للهجرة واللجوء، وعن واقع المجتمعات التي تدفع أبناءها إلى ركوب البحر، وعن التفاوتات الهائلة بين عالمين تفصل بينهما بضعة كيلومترات، لكن تفصل بين فرص سكانهما هوة اقتصادية واجتماعية عميقة؟
البحر الأبيض المتوسط، عبر تاريخه، كان أكثر من مجرد فاصل جغرافي بين الشمال والجنوب؛ كان فضاء للتبادل الحضاري، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر خطوط التفاوت قسوة بين عالمين. وفي قلب هذه الجغرافيا تقف أسوار سبتة ومليلية، شاهدة على مفارقة أن تمتد الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى التراب الإفريقي، وأن يصبح العبور من ضفة إلى أخرى امتحانًا للمواطنة والجنسية والقدرة الاقتصادية. وتؤكد الوقائع أن مأساة الحدود لا يمكن اختزالها في حادثة يوليو 2026، ففي يونيو 2022 شهد محيط مليلية فاجعة خلفت، بحسب منظمة العفو الدولية، 37 قتيلاً فضلاً عن عشرات المفقودين، مع إدانة لاستعمال مفرط للقوة وإخفاقات في تقديم المساعدة الطبية.
فهل يكفي بعد كل ذلك أن تنحني الرؤوس أمام القبور، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة؟ إن احترام الموتى يبدأ باحترام الأحياء. والوفاء للضحايا لا يتحقق فقط بوضع الزهور أو الوقوف في صمت، وإنما بكشف الملابسات، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تتحول الحدود إلى آلة متكررة لإنتاج المآسي. الحداد الذي لا يراجع أسباب الموت قد يتحول، مهما حسنت نيات أصحابه، إلى مجرد بروتوكول لتجميل العجز السياسي.
زيارة الملك الإسبانية تفتح سؤالًا أعمق عن الذاكرة الكولونيالية التي لم تتحرر منها العلاقات بين أوروبا وإفريقيا. الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل إعادة تشكيل للاقتصاد والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية، وربط غير متكافئ بين المركز والأطراف. آثار تلك البنيات لم تنتهِ بمجرد استقلال البلدان المستعمرة، بل استمرت في أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والتفاوت في شروط التبادل والتكنولوجيا. صحيح أن أزمات الجنوب الراهنة لا يمكن تحميلها للاستعمار وحده، لكن الاعتراف بذلك لا يلغي حقيقة أن البلدان الإفريقية دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار وهي تحمل أعباء تاريخية لم تكن متساوية مع ما ورثته الدول الأوروبية من تراكم للثروة والمؤسسات والقوة.
من هنا تبدو المفارقة فادحة: استغلت قوى أوروبية تاريخيًا حركة الموارد والثروات واليد العاملة عبر البحار، لكنها حين يتعلق الأمر بحركة الفقراء نحو مراكز الثراء تستحضر فجأة قدسية الحدود وصرامة السيادة. كانت الثروات تعبر، وكان الاستغلال يعبر، وكانت البضائع تعبر، أما الإنسان الذي يبحث عن نصيبه من الكرامة فيجد أمامه الأسلاك الشائكة والكاميرات والدوريات البحرية واتفاقيات الإعادة والترحيل.
الاستعمار لا يغادر عندما يطوي خرائطه. هذه المقاربة تثير سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا: هل يمكن معالجة أسباب الهجرة بمجرد نقل مسؤوليتها إلى دول أخرى؟ تحويل الجنوب إلى حارس لحدود الشمال لا يحل بالضرورة معضلة الفقر واليأس وانعدام الفرص، وقد يدفع بعض المهاجرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة كلما أغلقت في وجوههم المسارات المعروفة. الدولة الإسبانية، في نظامها الدستوري، لا تُختزل في إرادة الملك وحده؛ لكن الملكية، باعتبارها رمزًا لاستمرارية الدولة، تمنح السياسات الحدودية غطاءً معنويًا عندما تؤكد سيادة الحدود وتعلن التضامن مع من يعيشون داخلها.
لماذا يبدو المهاجر، في بعض الخطابات الأمنية، خطرًا عندما يحاول الوصول إلى أوروبا، ثم يتحول إلى موضوع للتعاطف عندما يستقر جسده تحت التراب؟ في حياته يُطلب من المهاجر إثبات حقه في العبور، وتُفحص أوراقه وبصماته وجنسيته، أما في موته فيختفي هذا التعقيد، وتصبح إنسانيته فجأة واضحة لا تحتاج إلى وثائق. الأرقام المنقوشة على القبور في سبتة تتحول إلى وثيقة إدانة لعالم جعل بعض البشر قابلين للاختفاء دون أن يتركوا وراءهم سوى رقم. المهاجر الذي يموت في البحر يفقد حياته ومعها حقه في أن تعرف أمه أين دُفن، وأن يصل إليه أهله، وأن يستعيد اسمه من مجهولية القبر.
إن أكبر تكريم للموتى كان يجب أن يبدأ ببرنامج جاد لتحديد هويات الضحايا، وإخبار أسرهم، وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف وفاتهم، وتوفير الضمانات التي تحول دون تكرار المأساة. وتزداد المفارقة حدة عندما نعلم أن أطفالًا ومراهقين ممن نجحوا في الوصول إلى سبتة ظلوا بعد الأزمة يعيشون في ظروف هشّة، بعضهم بلا مأوى ملائم. أي معنى لكرامة الميت إذا لم تصبح حماية الطفل الحي أولوية لا تقبل التأجيل؟
لكن الإنصاف الفكري يقتضي ألا يتحول نقد الاستعمار الأوروبي إلى وسيلة لإعفاء دول الجنوب من مسؤولياتها. الشباب الذين يغامرون بأرواحهم للوصول إلى أوروبا لا يهربون من التاريخ الاستعماري وحده، بل يهرب بعضهم أيضاً من حاضر اجتماعي لا يمنحهم ما يكفي من الأمل. الحق في الهجرة لا ينبغي أن يحجب حق الإنسان في ألا يُضطر إلى الهجرة. هذا يعني أن مسؤولية المغرب وبقية البلدان الإفريقية تتمثل في بناء شروط العيش الكريم داخل أوطانها، وتوسيع فرص التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والتفاوتات التي تجعل الرحيل يبدو أحيانًا الخيار الوحيد.
النزاع حول سبتة ومليلية ليس مجرد خلاف قانوني، بل عقدة تاريخية وسياسية تتقاطع فيها أسئلة السيادة والهوية والحدود والهجرة. سبتة المغربية خضعت للاحتلال البرتغالي سنة 1415، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني، بينما دخلت مليلية تحت السيطرة القشتالية سنة 1497. إسبانيا تستند إلى هذا الامتداد التاريخي لتأكيد سيادتها، بينما يراه المغرب امتدادًا ترابيًا له، مستدعيًا المعالجة. المفارقة أن إسبانيا، التي تستحضر حقها في المدينتين انطلاقًا من تاريخ طويل من السيطرة، تجد صعوبة في التعامل مع التاريخ نفسه حين ينظر إليه الآخرون باعتباره تاريخ اقتطاع واحتلال.
إن أعمق ما تكشفه زيارة الملك الإسبانية أن المسألة التاريخية لسبتة ومليلية لم تفقد قدرتها على العودة إلى قلب النقاش السياسي. ما يبدو في الخطاب الإسباني قضية سيادة محسومة، يظل في الوعي الوطني المغربي سؤالًا تاريخيًا مفتوحًا. ما يبدو من مدريد امتدادًا طبيعيًا للجغرافيا السياسية الإسبانية يُقرأ من الرباط باعتباره استمرارًا لوضع استعماري يستدعي المعالجة. الطريق إلى معالجة هذا الإرث ينبغي أن يكون طريق الحوار والتفاوض والقانون الدولي والتعاون الإقليمي، لا طريق التصعيد أو المغامرات التي قد تجعل السكان أول ضحاياها.
إسبانيا المعاصرة أحرزت تحولات ديمقراطية عميقة، وراكم مجتمعها المدني والثقافي والحقوقي تجارب مهمة في نقد السلطة والدفاع عن الحريات. لكن النقد الحقيقي لا يتوجه إلى هوية الشعب الإسباني، بقدر ما يستهدف استمرار بعض البنيات والتصورات التي تجعل العلاقة مع الجنوب محكومة بهاجس السيطرة أكثر من منطق الشراكة المتكافئة. إذا كانت إسبانيا تريد أن تجعل من زيارة الملك إلى قبور المهاجرين لحظة أخلاقية ذات معنى، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الصور المؤثرة، ولكن عبر سياسات أكثر عدلاً، ومراجعة أكثر شجاعة للذاكرة الاستعمارية، واستعداد أكبر للاستماع إلى أسئلة الجوار المغربي والإفريقي.
المقبرة في سبتة تقول ما لا تستطيع الخطب الملكية للعاهل الإسباني قوله: إن الحدود التي تحتاج إلى كل هؤلاء الموتى كي تثبت صلابتها، تستحق أن تُساءَل أخلاقيًا قبل أن تُحصَن سياسيًا. إن أكثر ما يدعو إلى السخرية المريرة هو أن ورثة التاريخ الكولونيالي يتقنون آداب السير في جنازة الضحية قبل أن يتعلموا شجاعة مساءلة النظام الذي جعل موتها ممكنًا. ليس المطلوب من أوروبا أن تحسن البكاء على موتى الجنوب، بل أن تسهم في بناء عالم لا يضطر فيه أبناء الجنوب إلى الموت على أبوابها. وليست العدالة أن تضع السلطة باقة ورد على قبر مهاجر مجهول، وإنما أن تجعل إنقاذ الإنسان الحي أسمى من حماية صورة الدولة. عندها فقط يمكن أن تتحول زيارة المقبرة من مشهد بروتوكولي متناقض إلى بداية مراجعة تاريخية حقيقية.




تعليقات
0