المغرب يخليد ذكرى 51 عامًا للمسيرة الخضراء وسط تحولات أممية جديدة بعد قرار 2797
في يوم الجمعة، تحتفل المغرب بالذكرى الخامسة والخمسين للمسيرة الخضراء، لكن هذه السنة تحمل طابعًا مختلفًا تمامًا عن سابقاتها. بينما كان الاحتفال في السنوات السابقة مكرّسا لتذكير العالم بأهمية الوحدة الترابية، فإن هذه الذكرى تتزامن مع انهيار فعلي لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصارًا بـ«مينورسو»، بعد أكثر من ثلاثة عقود من وجودها. هذا الانهيار يفتح بابًا جديدًا في تدبير ملف الصحراء، حيث تتجه القضية نحو مرحلة غير مسبوقة، مع توقف آليات التحقق من وقف إطلاق النار التي كانت من مهام البعثة منذ عام 1991. البلاغ الملكي الصادر في 30 أكتوبر الماضي، والذي ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل حول الموضوع في 4 نوفمبر الجاري، أعلن عن بداية مرحلة جديدة. هذه المرحلة، التي تحمل عنوان «ما بعد المينورسو»، تتركز على تدبير الملف دون الاعتماد على وجود البعثة الأممية. في مؤتمر صحافي أمس الخميس، أعلن جان بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، أن «المينورسو دخلت رسميًا مرحلة التصفية». وأوضح أن عملية الانسحاب ستتم تحت إشراف إدارة الدعم العملياتي للأمم المتحدة، مع فريق أممي مصغر، بهدف ضمان انسحاب منظم ومسؤول. منذ منتصف ليلة 31 أكتوبر، لم تعد البعثة تتوفر على أي مهمة ميدانية باستثناء تنظيم انسحابها، مما يعني توقف آليات التحقق من وقف إطلاق النار ومراقبة الحوادث العسكرية. الآن، تتجه المينورسو نحو إخلاء مواقعها والتصرف في معداتها وممتلكاتها، في عملية قد تستغرق نحو شهرين. الخطوة الأكثر أهمية في هذا السياق كانت فشل مجلس الأمن الدولي في تبني أي قرار بشأن الصحراء المغربية في 30 أكتوبر الماضي. المشروع الأمريكي، الذي حصل على تأييد 11 عضوًا، لم يتم تبنيه بسبب استخدام روسيا «حق النقض»، بينما امتنعت ثلاث دول أخرى، بينها الصين وباكستان. من ناحية أخرى، فشل المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة لمدة عام دون أي تغيير، حيث حصل على تأييد ثلاثة أعضاء فقط، بينما صوتت واشنطن ضده وامتنع 11 عضوًا آخر. هذا الفشل أدى إلى انتهاء ولاية المينورسو في 31 أكتوبر، دون أي تمديد، مما يفتح الباب أمام تدبير الملف بشكل مختلف. في رد على هذا التطور، أصدر الديوان الملكي بلاغًا اعتبر عدم تمديد ولاية البعثة «خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة». وأكد البلاغ أن هذا التطور يجب أن يضع حدًا لإحالة الملف على مجلس الأمن وتقارير الأمين العام، بينما أكد في الوقت نفسه على «تمسك المملكة بوقف إطلاق النار». هذه الخطوة تأتي في سياق تاريخي طويل، حيث يعود جذور المسار السياسي إلى عام 1975، عندما انطلقت المسيرة الخضراء من طرفاية بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية، مما أدى إلى احتلال الصحراء المغربية من قبل المغرب. بعد أكثر من ثلاثة عقود، قدم المغرب إلى الأمم المتحدة، في 11 أبريل 2007، مبادرة للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي بأقاليم الصحراء. وقد ثمّن مجلس الأمن هذه المبادرة في قرار 1754، مشيرًا إلى أنها «جدية وذات مصداقية». منذ ذلك الحين، توالت التطورات: في ديسمبر 2020، اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، تلتها إسبانيا وألمانيا بدعم المبادرة. ثم جاء قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يوليو 2024، الذي أكد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار المناسب لحل القضية. وفي 31 أكتوبر 2025، تبنى مجلس الأمن قرارًا جديدًا، رقم 2797، بتأييد 11 عضوًا وامتناع روسيا والصين وباكستان، حيث أكد القرار أن «حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع». في خطاب تلفزيوني عقب التصويت على القرار 2797، أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيحيي المبادرة ويقدمها كأساس وحيد للتفاوض، مؤكدًا على تحويل 31 أكتوبر من كل سنة إلى عيد وطني للوحدة. منذ ذلك الحين، انتقل المغرب من الإعلان إلى العمل. في 10 نوفمبر 2025، عقد الديوان الملكي اجتماعًا مع زعماء الأحزاب لاستشارتهم في تحيين المبادرة وتفصيلها، وتزمت الأحزاب برفع مذكرات مفصلة في أقرب الأجل. وفي فبراير 2026، عرض وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، خلال مفاوضات مدريد بوساطة أمريكية، صيغة مفصلة من مقترح 2007، والتي تشير تقارير صحافية إلى أنها تضم نحو 40 صفحة، وتناول توزيع الاختصاصات والموارد المالية للجهة وترتيبات عودة السكان. وفقًا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير، شارك المغرب مشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي مع المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا والولايات المتحدة، إلى جانب الجزائر وموريتانيا وجبهة «البوليساريو»، باعتباره أرضية قابلة للتفاوض. وقد حدد التقرير مسارًا «متدرّجا» يبدأ بجعل المقترح أساسًا للمحادثات، ثم بحث اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وصولًا إلى نموذج مفصل للحكم الذاتي. ومع ذلك، تبقى الخطوة الأخيرة رهينة بالمفاوضات المقبلة، حيث لا يزال هناك غياب تام لجدول زمني معلن حتى الآن. في هذا السياق، ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل بالقصر الملكي في الرباط، بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية. وأكد الملك خلال الجلسة الأولويات الواردة في بلاغ 30 أكتوبر، والتي تشمل سلامة التراب الوطني ووحدته، والأمن الوطني، وطمأنينة السكان، خاصة في الأقاليم الجنوبية. وأعطى الملك تعليماته لتفعيل هذه الأولويات بحزم ويقظة، ومواصلة المشروع التنموي بالجنوب والمشاريع المهيكلة المرتبطة به. كما شدد على أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار هو «تزامن إرادي لن يتغير بانتهاء ولاية البعثة». في إطار هذه الخطوات، أسند إلى «مكتب التنسيق مع المينورسو» التابع لوزارة الداخلية مهمة التنسيق ومواكبة تصفية البعثة وانسحابها، بروح من التعاون مع الأمم المتحدة. هذه الخطوات تعكس التزام المغرب بتحقيق حل سياسي عادل للقضية، في الوقت الذي يتجه فيه الملف نحو مرحلة جديدة من التدبير، بعيدًا عن وجود البعثة الأممية.





تعليقات
0