
بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الاختناق البيئي، سجلت مدينة الدروة أخيراً لحظتها الفاصلة بإغلاق المطرح القديم الذي ظلّ ينفث دخانه وروائحه الكريهة فوق رؤوس الساكنة ليلًا ونهارًا.
عقود كاملة مرّت، وتعاقبت خلالها مجالس جماعية عديدة، كلٌّ منها حاول الاقتراب من هذا الملف الشائك، لكنّ باب الحل كان يُغلق دائماً، تاركاً المدينة غارقة في معاناتها، وأزقتها محاصرة بنكسة بيئية أثقلت حياة الآلاف.
لكنّ المشهد تغيّر جذرياً مع هذا المجلس الحالي، الذي جعل من ملف المطرح أولوية قصوى منذ أول يوم توليه المسؤولية. فالرئيس كمال شرقاوي لم يتعامل مع الموضوع كملف عادي، بل كـ قضية وجودية تمسّ صحة الساكنة وكرامتها، وهو ما حوّله إلى محور اشتغال يومي داخل مكاتب الجماعة.
وبالتوازي مع هذا الاجتهاد المحلي، وجد المجلس سنداً حاسماً في عامل إقليم برشيد السيد جمال خلوق، الذي منح الملف زخماً أكبر، ودعماً إدارياً قوياً، وفتح الباب أمام سلسلة من اللقاءات التقنية والميدانية التي أعادت رسم خريطة الحل.
طيلة الأسابيع والأشهر الماضية، تحولت اجتماعات المكتب الجماعي والسلطات الإقليمية إلى خلايا تفكير مفتوحة، تُدرس فيها كل الخيارات التقنية والقانونية واللوجستية لإنهاء هذا المشكل المزمن. ومع تراكم المعطيات واشتداد الضغط البيئي والصحي، اتخذ القرار الذي طال انتظاره:
الإغلاق النهائي لمطرح الدروة والانتقال إلى مطرح مديونة.
ومع تنفيذ القرار، بدأت المدينة تستعيد شيئاً فشيئاً وجهها الحقيقي. اختفى الدخان، هدأت الروائح الثقيلة، وبدأ سكان الدروة يلمسون نسيم حياة جديداً يمرّ فوق بيوتهم وشرفاتهم، بعد سنوات طويلة من الهواء المثقل بالمعاناة.
ويرى متتبعون أن هذا الإنجاز لا يُعد مجرد طيّ صفحة قديمة، بل هو تحول تاريخي يثبت أن الإرادة السياسية، حين تتحوّل إلى فعل، قادرة على حل أعقد الملفات وأكثرها حساسية. لقد احتاجت الدروة إلى مجلس يضع صحة المواطن فوق كل اعتبار، وإلى سلطة إقليمية تمتلك الجرأة على اتخاذ القرار… فكان اللقاء في الزمن المناسب.
ومع هذا الإغلاق النهائي، لا تستعيد الدروة فقط هواءها النظيف، بل تستعيد أيضاً ثقتها في مؤسساتها، وتفتح باباً واسعاً أمام مرحلة جديدة عنوانها:
مدينة تتنفس… وساكنة تنعم بحقها الطبيعي في بيئة سليمة
وما بين الأمس الملوث واليوم النقي، تقف الدروة شاهدة على أن التغيير ممكن حين تُصنع القرارات بشجاعة وتُنفّذ بإصرار




تعليقات
0