
في سطات، لم يكن الحفل مجرد مناسبة عابرة للاحتفاء بالمرأة، بل كان لحظة إنسانية مكثفة تختزل معنى الكرامة والعمل والأمل. هناك، داخل فضاء مركز “ميمونة”، اختارت نساء أن يحوّلن الخيط والإبرة إلى رسالة… وأن ينسجن من كسوة العيد مشروع حياة.
تحت شعار “نساء الخير والتمكين الاقتصادي”، نظمت جمعية الأنامل الذهبية للإبداع والابتكار، بشراكة مع فعاليات مؤسساتية، حفلاً استثنائياً تزامن مع اليوم العالمي للمرأة، وعبق الذاكرة الوطنية، وروح شهر رمضان. لكن ما ميّز هذا الحدث لم يكن فقط رمزيته، بل قصته العميقة: نساء في وضعية هشة يقررن أن لا ينتظرن الدعم… بل يصنعنه بأيديهن.
في قلب هذا المشهد، تحولت “كسوة العيد” من مبادرة إحسانية تقليدية إلى تجربة اقتصادية مصغرة. عشرات الساعات من التكوين والعمل، تُرجمت إلى 20 لباساً خيطت بعناية (13 للفتيات و7 للأولاد)، في ورشة جماعية لم تكن فقط للتعلم، بل لاكتشاف الذات واختبار القدرة على الإنتاج.
هنا، لم تكن المستفيدات مجرد متلقيات… بل صانعات. تعلمن كيف تبدأ الفكرة من لا شيء، كيف تُدار، وكيف تتحول إلى منتوج قابل للحياة. كان الأمر أشبه بتمرين حقيقي على ريادة الأعمال، لكن بنبض إنساني خالص.

الحفل، الذي احتضنه مركز التربية والتكوين “ميمونة”، كشف وجهاً آخر للعمل الجمعوي حين يكون مؤطراً برؤية واضحة: الانتقال من “ثقافة المساعدة” إلى “ثقافة التمكين”. وهو ما عكسته كلمات المتدخلين، حيث تم التنويه بهذا النموذج الذي يمنح النساء مفاتيح الاستقلال الاقتصادي بدل الاكتفاء بالدعم الظرفي.
ولأن الفرح لا يكتمل إلا بابتسامة الأطفال، فقد تحوّل الفضاء إلى مسرح صغير للأمل: بهلوان يوزع الضحك، نقوش حناء ترسم الفرح، وصور توثق لحظات لن تُنسى… أطفال يرتدون ملابس خيطتها أيدي أمهاتهم، في مشهد تختلط فيه البساطة بالفخر.
كما شكل الحفل مناسبة للاعتراف بالجنود الخفيين، حيث تم تكريم إحدى الأطر التي واكبت المشروع من بدايته، في رسالة واضحة مفادها أن النجاح لا يُصنع وحده، بل هو ثمرة عمل جماعي صامت.
اللافت في هذا الحدث أنه لم يكتفِ بالاحتفال، بل ربط الحاضر بالماضي، من خلال استحضار محطات وطنية راسخة في الذاكرة الجماعية، والتأكيد على أن التمكين الحقيقي لا ينفصل عن الوعي بالتاريخ والانتماء.
في النهاية، لم يكن ما حدث مجرد نشاط جمعوي… بل درس عملي في التنمية:
أن تعطي المرأة مهارة، يعني أن تعطي أسرة كاملة فرصة جديدة.
وأن تمنحها الثقة، يعني أن تفتح باباً لمستقبل مختلف.
هكذا، من قلب سطات، خرجت رسالة بسيطة لكنها قوية:
التمكين ليس شعاراً… بل فعل يُخاط بخيط الصبر، ويُفصّل على مقاس الكرامة.




تعليقات
0