
في لحظة دولية دقيقة، تتقاطع فيها أزمات المناخ مع اضطرابات سلاسل الإمداد، تستعد مكناس لاحتضان الدورة الثامنة عشرة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، خلال الفترة الممتدة من 20 إلى 26 أبريل 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس. موعد سنوي تحوّل، مع مرور السنوات، من معرض مهني إلى منصة استراتيجية تُعرض فيها التوجهات الكبرى للقطاع الفلاحي المغربي.
غير أن دورة هذه السنة تأتي محمّلة بما هو أكثر من مجرد عروض ومنتجات. فالشعار المرفوع: «استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية»، يضع المنظومة الفلاحية أمام اختبار حقيقي، في ظل تحديات متفاقمة تتعلق بندرة المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد هشاشة الفلاح الصغير أمام تقلبات السوق.

بين الواجهة اللامعة وأسئلة العمق
على أرض الملتقى، سيجتمع فاعلون من مختلف أنحاء العالم: مؤسسات، شركات، خبراء وباحثون، في مشهد يعكس دينامية القطاع وانفتاحه. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، تبرز تساؤلات مهنية ملحّة: إلى أي حد تنعكس هذه الدينامية على الواقع الميداني؟ وهل استطاعت السياسات الفلاحية أن تحقق توازنًا فعليًا بين متطلبات السوق وحماية المنتج الصغير؟
لقد نجح الملتقى، دون شك، في ترسيخ مكانته كواحد من أكبر التظاهرات الفلاحية في إفريقيا، بل كفضاء للتفكير الجماعي وبناء الشراكات. غير أن الرهان اليوم لم يعد فقط في حجم المشاركة أو تنوع العارضين، بل في القدرة على تقديم أجوبة ملموسة لتحديات متراكمة.

نقاشات لا تتوقف… وتمديد محتمل يلوح في الأفق
وفي خضم الاستعدادات الجارية، تتداول أوساط مهنية وإعلامية أخبارًا غير مؤكدة تفيد بإمكانية تمديد مدة المعرض إلى تسعة أيام بدل أسبوع واحد، وهو ما—إن تأكد—سيعكس حجم الإقبال المتزايد على هذه التظاهرة، والرهانات الكبيرة المعلقة عليها. كما قد يمنح هذا التمديد مساحة زمنية أوسع لاحتضان مزيد من الندوات واللقاءات الثنائية، وتعزيز فرص الشراكة بين الفاعلين المحليين والدوليين

السيادة الغذائية… شعار تحت الاختبار
يشكل الإنتاج الحيواني محور هذه الدورة، باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي. غير أن هذا القطاع يواجه بدوره إكراهات بنيوية، من كلفة الأعلاف إلى تأثيرات الجفاف، ما يجعل الحديث عن “السيادة الغذائية” يتجاوز البعد النظري إلى ضرورة اتخاذ قرارات عملية تضمن الاستمرارية والعدالة داخل السلسلة الإنتاجية.
في هذا السياق، يُرتقب أن تشكل الابتكارات التكنولوجية، من الزراعة الذكية إلى تقنيات تدبير الموارد، أحد أبرز محاور النقاش. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تصل هذه الحلول فعلاً إلى الفلاح الصغير، أم تظل حبيسة النماذج النموذجية والعروض المؤسساتية؟

مكناس… فضاء للنقاش أم مرآة للواقع؟
خلال أسبوع كامل، ستتحول مكناس إلى عاصمة للفلاحة، حيث تتقاطع الرؤى وتُعقد الشراكات. غير أن ما ينتظره المتتبعون ليس فقط نجاحًا تنظيميًا، بل جرأة في طرح الأسئلة الحقيقية، والانتقال من منطق العرض إلى منطق المحاسبة والتقييم.
يبقى الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب أكثر من مجرد تظاهرة دولية؛ إنه اختبار سنوي لمدى قدرة السياسات الفلاحية على الصمود، وفرصة لقياس المسافة بين الخطاب الرسمي وانتظارات الميدان… مسافة قد تختزل، اليوم، جوهر النقاش حول مستقبل الغذاء في المغرب.




تعليقات
0