Advertisement
Advertisement

حين تُعرض الذاكرة للبيع… مقهى عريق بسطات على طاولة المزاد العلني.

رضوان منفلوطي الإثنين 6 أبريل 2026 - 13:24

في مشهد يحمل أكثر من دلالة، وأعمق من مجرد إجراء قانوني عادي، أعلن مفوض قضائي بمدينة سطات عن بيع منقولات تعود لمقهى تُعد من بين أعرق فضاءات المدينة، وذلك عبر مزاد علني لفائدة أحد المشتغلين بها. خطوة قد تبدو في ظاهرها قانونية بحتة، لكنها في عمقها تطرح أسئلة مؤلمة حول مصير الذاكرة الجماعية لمدينة عُرفت عبر الزمن بتفاصيلها الإنسانية وفضاءاتها الحية.

هذه المقهى، التي لم تكن مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل شكلت لعقود طويلة ملتقىً للنقاش وتبادل الأفكار، وفضاءً غير رسمي لتكوين الوعي وتلاقح الرؤى، كانت بمثابة “مدرسة مفتوحة” تخرج منها عدد من أبناء المدينة الذين بصموا حضورهم في مجالات متعددة. هناك، بين طاولاتها وكراسيها، نُسجت حكايات، وتقاطعت مسارات، وتكونت صداقات، بل وصُنعت ملامح جيل بأكمله.

لقد كانت المقهى وجهة مفضلة لزوار سطات، ومحطة لا غنى عنها لكل من أراد التعرف على نبض المدينة الحقيقي، حيث كانت تجمع بين نخبة من أهلها وروادها في مشهد يعكس روح الانتماء والتواصل. غير أن هذا الفضاء، الذي ظل لسنوات رمزًا للحياة الثقافية والاجتماعية، يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع قاسٍ، تُعرض فيه تجهيزاته وأثاثه للبيع، وكأن الزمن قرر أن يطوي صفحة من ذاكرة المدينة دون استئذان.

وفي لحظة تختزل قسوة المشهد، يُرتقب أن يُفتتح المزاد بذلك النداء الذي طالما ارتبط ببيع الأشياء، لكنه هذه المرة يبدو وكأنه يبيع الذاكرة نفسها:
“على أونو… على دوّي… على اتري… مين يفتح المزاد؟ مين يشري؟”
نداء بسيط في كلماته، عميق في دلالاته، حيث تتحول الكراسي والطاولات من شهود على تاريخ حيّ إلى مجرد سلع تُقاس قيمتها بالأرقام.

البيع القضائي، وإن كان يستند إلى مساطر قانونية واضحة، إلا أنه يعكس في الآن ذاته تحولات عميقة تعرفها المدينة، حيث لم تعد الذاكرة محصنة من منطق السوق، ولم تعد الأماكن الرمزية بمنأى عن الإكراهات الاقتصادية والنزاعات التي قد تعصف بتاريخها.

وبين مطرقة الواقع وسندان الحنين، يبقى السؤال معلقًا: هل نحن أمام نهاية صامتة لفضاء كان يومًا نابضًا بالحياة؟ أم أن في الأمر فرصة لإعادة إحياء الروح في قالب جديد يحفظ ما تبقى من الذاكرة؟

في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، يظل هذا الحدث أكثر من مجرد إعلان بيع… إنه لحظة تأمل في علاقة المدينة بتاريخها، وفي قدرتها على حماية ذاكرتها من التآكل والنسيان.

Advertisement
تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 6 أبريل 2026 - 14:31

“حملة النظافة بالدروة: صور لامعة… وواقع لا يتغير؟”

الخميس 2 أبريل 2026 - 14:25

برشيد بين ضيق الموارد واتساع الانتظارات… هل نجح المجلس الإقليمي في كسب رهان الأولويات؟

الأحد 29 مارس 2026 - 17:19

برشيد على صفيح الفوضى… سوق معطّل يكشف عطب التدبير ويحرج وعود التحديث

الأحد 29 مارس 2026 - 14:02

سطات بين واقع متعثر وصناديق حاسمة: هل تُنقذ الساكنة مدينتها من دوامة الانتظار؟