
في عددها الأسبوعي الماضي، سلطت جريدة الألباب 360 الضوء على الحملة البيئية التي أطلقها المجلس الجماعي لمدينة الدروة، بشراكة مع بعض مكونات المجتمع المدني، تحت شعار طموح: “100 يوم من النظافة”. وقد اعتُبرت حينها مبادرة إيجابية تُبشر بإرادة نحو تحسين المشهد الحضري، واستعادة شيء من بريق المدينة التي تتسارع وتيرة توسعها العمراني.
غير أن ما تلا ذلك من مشاهد ميدانية، وثّقتها صور متداولة من أحياء مثل حي السعادة، ومؤخراً حي الوفاء، أعاد طرح علامات استفهام ثقيلة حول جدوى هذه الحملة وطبيعتها. إذ بدا المشهد أقرب إلى “استنفار مؤقت”، حيث يحضر المجلس الجماعي بأغلبيته، مرفوقاً بعمال نظافة عرضيين، مدعومين بآليات وتجهيزات الجماعة، في عملية تنظيف مكثفة تعيد ترتيب الفضاءات بشكل لافت… لكن سرعان ما تختفي هذه الصورة في اليوم الموالي، لتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، أو في بعض الأحيان إلى وضع أكثر تدهوراً.

هذا التكرار، الذي طبع أياماً وأحياءً مختلفة ضمن نفس الحملة، يفتح الباب أمام تساؤل مركزي:
هل يتعلق الأمر بمشروع نظافة مستدام، أم مجرد تدخلات ظرفية تفتقد لأثر طويل المدى؟
لكن ما يزيد من غرابة المشهد، هو الحضور المكثف لبعض أعضاء المجلس الجماعي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم نشر صور توثق مشاركتهم في الحملة، مصحوبة بتعليقات تُبرز انخراطهم الميداني، في صورة توحي بالإشراف المباشر على عمليات النظافة. وبينما يرى البعض في ذلك نوعاً من التواصل المؤسساتي المشروع مع الساكنة، تذهب آراء أخرى إلى طرح تساؤلات أعمق:
هل تعكس هذه الصور فعلاً روح العمل الجماعي؟ أم أنها تحمل رسائل أخرى، أقرب إلى حملات ذات أبعاد مختلفة، قد تُفهم في سياقات أخرى؟
الأمر لا يقف عند حدود النظافة فقط، بل يتجاوزه إلى قراءة أعمق لانتظارات الساكنة. فهل فعلاً يُختزل مشكل مدينة الدروة في تراكم النفايات؟ أم أن هذا الملف ليس سوى واجهة لمعضلات أكثر تعقيداً؟
فالمدينة، كما يعبر العديد من ساكنتها، ترزح تحت وطأة بنية تحتية مهترئة، تتجلى في انتشار الحفر بشكل شبه معمّم، إلى جانب إشكالات التعمير التي باتت حديث الخاص والعام، دون إغفال ظاهرة احتلال الملك الجماعي والعمومي، التي تُقيد حركة السير وتشوه جمالية الفضاء العام. كما يظل ملف الإنارة العمومية من النقاط السوداء التي تؤرق يوميات المواطنين، خاصة في بعض الأحياء التي تغرق في الظلام مع حلول الليل.

إن الرهان الحقيقي، اليوم، لا يكمن فقط في جمع الأزبال أو تنظيف الأرصفة، بل في بناء تصور شامل ومندمج يعالج جذور الاختلالات، ويُشرك الساكنة في تحمل جزء من المسؤولية، بدل الاكتفاء بمشاهد موسمية قد تحقق صدى إعلامياً، لكنها تفتقر إلى الاستمرارية.
بين طموح “100 يوم نظافة” وصور تُنشر يومياً على مواقع التواصل، وواقع يعيد نفسه كل صباح، تبقى الدروة في حاجة إلى ما هو أكثر من حملة…
هي في حاجة إلى رؤية واضحة، وخطاب صادق، وممارسة تُقنع قبل أن تُصوَّر.




تعليقات
0