
تتجه الأنظار بمدينة الدروة، التابعة ترابياً لإقليم برشيد، نحو الاستحقاقات الانتخابية الجزئية المرتقبة، التي باتت تشكل حديث الشارع المحلي والفاعلين السياسيين على حد سواء، بعد الإعلان الرسمي عن فتح باب الترشيحات لشغل المقاعد الشاغرة بالمجلس الجماعي، في ظرف سياسي حساس يعكس حجم التحولات التي يعرفها المشهد التدبيري بالمدينة.
هذه الانتخابات، التي ستهم الدائرتين الانتخابيتين 23 و24، ليست مجرد محطة تقنية لسد فراغ قانوني داخل المجلس، بل تبدو اختباراً حقيقياً لميزان القوى السياسي، وفرصة لإعادة ترتيب الأوراق داخل مؤسسة جماعية تعيش على وقع تجاذبات متواصلة وصراعات صامتة حول النفوذ والتموقع.
وحسب الإعلان الصادر عن باشوية الدروة، فإن عملية إيداع الترشيحات الخاصة بالانتخابات الجماعية الجزئية انطلقت وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل، على أن يجرى الاقتراع يوم الثلاثاء 05 ماي 2026، وذلك استناداً إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، والدوريات الوزارية المنظمة لهذه العملية.
غير أن ما أثار الانتباه بشكل لافت، وأصبح محل نقاش واسع داخل الأوساط السياسية المحلية، هو غياب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن سباق الترشيحات إلى حدود كتابة هذه المادة الإعلامية، إذ لم يقدم الحزب أي مرشح له بالدائرتين المعنيتين، رغم الأهمية السياسية الكبيرة لهما، وما يمكن أن تفرزه نتائجهما من تأثير مباشر على موازين التسيير داخل المجلس الجماعي.
وفي إطار تتبعها لهذا الملف، تواصلت جريدة الألباب 360 مع المنسق المحلي للحزب، إلى جانب ممثل الحزب داخل المجلس الجماعي، من أجل استجلاء خلفيات هذا الغياب المفاجئ. وقد أكدا، وفق إفادتهما، أن هناك أمراً غير مفهوم شاب عملية التهييء لوضع طلب الترشح المدعم من طرف الحزب، مشيرين إلى وجود تعقيدات غير واضحة رافقت المسطرة المرتبطة بإعداد الملف الانتخابي، دون تقديم توضيحات دقيقة بشأن طبيعة هذه الإشكالات.
غير أن مصادر أخرى مطلعة على كواليس الملف، كشفت أن الأمر قد لا يرتبط فقط بإشكالات تقنية أو تنظيمية، بل إن هناك تراجعاً تم لأسباب أخرى غير معلنة، قد تكون مرتبطة بحسابات سياسية داخلية، أو بإعادة تقييم فرص الحزب في هذه المعركة الانتخابية الحساسة، وهو ما زاد من حدة التساؤلات بدل تبديدها.
هذا الغموض فتح باب التأويلات على مصراعيه، خصوصاً وأن الاتحاد الاشتراكي ظل خلال مراحل سابقة رقماً حاضراً في المعادلة السياسية المحلية، سواء من خلال التحالفات أو عبر مواقفه من تدبير الشأن العام. فهل يتعلق الأمر بقرار سياسي مدروس؟ أم بصعوبة داخلية في إيجاد مرشحين قادرين على خوض المعركة؟ أم أن الحزب فضل الانسحاب بهدوء تفادياً لحسابات انتخابية معقدة؟
عدد من المتتبعين للشأن المحلي يرون أن الدائرتين 23 و24 ليستا مجرد دائرتين عاديتين، بل تمثلان نقطتين استراتيجيتين داخل الخريطة الانتخابية للدروة، بالنظر إلى الكتلة الناخبة المؤثرة بهما، وطبيعة الامتدادات الاجتماعية والسياسية التي تصنع الفارق في النتائج، ما يجعل أي مقعد فيهما قادراً على ترجيح كفة طرف على حساب آخر داخل المجلس.
كما أن هذه الانتخابات تأتي في سياق مشحون، حيث تعيش المدينة منذ أشهر على وقع نقاشات حادة مرتبطة بالتدبير المحلي، وتقييم أداء المجلس الجماعي، إضافة إلى تنامي مطالب الساكنة المرتبطة بالبنيات التحتية، والتعمير، والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل من هذه المحطة الانتخابية فرصة لقياس نبض الشارع ومدى رضاه عن الفاعلين السياسيين الحاليين.
ويرى مراقبون أن عزوف بعض الأحزاب أو ترددها في تقديم مرشحين قد يعكس أزمة ثقة داخلية، أو قراءة دقيقة لحساسية المرحلة، خاصة وأن الناخب المحلي أصبح أكثر ميلاً للمحاسبة وربط المسؤولية بالمردودية الميدانية، بعيداً عن الشعارات التقليدية.
في المقابل، تتجه بعض القوى السياسية الأخرى إلى استثمار هذه الانتخابات كمعركة مصغرة ذات أبعاد كبرى، باعتبارها بروفة مبكرة لما قد تحمله الاستحقاقات المقبلة، وفرصة لإثبات الحضور السياسي واستعادة المواقع داخل المشهد المحلي.
وبين صمت الاتحاد الاشتراكي، والتبريرات غير الحاسمة، وحركية باقي الأحزاب، تبقى الدروة أمام محطة انتخابية استثنائية لا تقاس فقط بعدد الأصوات، بل بما ستكشفه من رسائل سياسية عميقة حول مستقبل التوازنات داخل المجلس الجماعي، وحول قدرة الأحزاب على مواكبة انتظارات المواطنين في مرحلة أصبحت فيها صناديق الاقتراع أكثر صرامة من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه الشارع المحلي اليوم: هل هو انسحاب تكتيكي مؤقت من حزب الاتحاد الاشتراكي، أم بداية تراجع سياسي لحزب كان إلى وقت قريب أحد الأسماء الحاضرة في معادلة الدروة؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.




تعليقات
0