
يجمع ثنائي العازفَين متعددَي الآلات والمنتِجَين الرحّالَين Steel Alive صوتَهما مع المغني عادل اسماعلي ليقدّما معاً «مَرَّة»، نشيداً متفجراً للحرية، والاختيارات التي نتخذها في هذا العالم، وللأصوات التي يجب أن تستمر في الصدى وسط اضطرابات العصر.
بين أعماق الدوب، والنبضات الإلكترونية، وطاقة الهيب هوب والريغي، يبسط هذا المقطع نشيداً عالقاً في الذهن وراسخاً في الروح، حاملاً تلك القدرة التي تمتلكها الموسيقى المسافرة على تحويل تشقُّقات الواقع إلى اهتزاز جماعي.
في «مَرَّة»، تتقاطع اللغاتُ كما تتقاطع المسارات الإنسانية، تلتقي الفرنسية بالدارجة المغربية، وتتحاور الجروح الذاتية مع تقلُّبات العالم المعاصر. «بسبب القوانين، وخياراتي، وإيماني…» يتحوَّل اللازمةُ رويداً رويداً إلى ورد تُرددها شفاه كل الوجودات المهجَّرة، وتلك الأرواح التي تواصل المسير والدموع على حافة العيون، دون أن تتخلى عن ضياء الأمل.
الكليب: رحلة في روح المغرب
يرافق الكليب هذه المادة الإنسانية بجماليات حركية بالغة التأثير. نرى فيه Steel Alive وعادل اسماعلي يعبران مناظر وشوارع منطقة تغازوت حتى كثبان تيمالين، بين ضياء المحيط الأطلسي، ومشاهد الحياة اليومية، والظلال العابرة، واللحظات المعلقة في الهواء، تتلاقى الأجيال بشكل عفوي، ويُشكِّل السكانُ فسيفساء إنسانية حية، بين شباب الليل، والأنظار الصامتة، والحضور الملتقَط في خضمّ الحركة.
كل شيء يبدو سائلاً، في تداوُل مستمر، تتساقط الألوان الدافئة للنهار، والساحات النابضة بالحياة، والأمواج الأطلسية، وأضواء الليالي المغربية في استمرارية شبه تنويمية، على غرار موسيقاهم، يأبى الكليبُ الحدودَ الجامدة: إنه يتقدم بالاهتزازات، واللقاءات، والتواصل الإنساني الحيّ، يلتقط تلك اللحظات المعلقة حيث تتلامس عوالم مختلفة وتنصهر، لتخلق في النهاية طاقة مشتركة.
ثمة في «مَرَّة» شيء من العبور الليلي، شيء من الأجساد التي تمضي رغم كل شيء، من الحدود التي تُجتاز دون أن يُترك حقاً المكان الذي جئنا منه، أغنية البينيّة والعتبة، تسكنها ندوب المنفى، والاختيارات المفروضة، والذكريات التي نحملها كتمائم هشة وسط صخب العصر.
Steel Alive: الثنائي المسافر الذي لا تحدّه حدود
منذ نشأته في ليون عام 2014، ثم تطوُّره بين المتروبول وجزيرة لا ريونيون، بنى Steel Alive موسيقى يستحيل حصرها في قالب جمالي جامد، يتكوَّن الثنائي من بوس ولوكاس، اللذين طوَّرا هوية صوتية يُعرَف بها على الفور: دوب عضوي تتحاور فيه الأسسُ الستيبر، والملمسُ الإلكتروني، وتأثيراتُ الهيب هوب، والخدشُ، والأكورديونُ، مع موسيقى شعوب العالم.
غير أن الموسيقى عند Steel Alive لا تُفكَّر أبداً كحدود مغلقة؛ إنها تتغذى أساساً على اللقاءات الإنسانية، والصداقات الموسيقية، والتواصل العفوي المنبثق على الطريق، في المهرجانات، وليالي الجولات، والاهتزازات المشترك، في مسيرتهم، اتسع عالمهم كخريطة حسية وصوتية في توسُّع مستمر، حيث تلتقي السكانكات الريغية، والأسسة العميقة، والملامس الإلكترونية بحلزونيات الفلامينكو، وألحان الشعبي، والأغاني المتوسطية، وإيقاعات الجذبة ا الشمال الإفريقية، قريباً دائماً من نَفَس الكناوة.
تجسِّد «مَرَّة» هذه النقطة من اللقاء تماماً، بأكورديونها الشبحي، ونبضاتها الدوبية، وملمسها الإلكتروني الخشن، يصبح المقطع فضاءً تندمج فيه عوالم متعددة — محادثة عضوية بين ثقافة نظام الصوت والذاكرة المتوسطية، بين الدوب الإلكتروني وموسيقى شمال إفريقيا الشعبية.
عادل اسماعلي: صوت طنجة في قلب العالم
وفي قلب هذه الرحلة يبرز صوتُ عادل اسماعلي. ابن طنجة، تربَّى في رحاب الفلامينكو العربي الأندلسي، والكناوة، والراي، والأغاني الشمال إفريقية، وإيقاعات الجذبة المتوسطية، يحمل عادل أيضاً موسيقى شكَّلها التنقل والتقاطعات الثقافية.
وصل وحيداً إلى فرنسا وهو في الخامسة عشرة من عمره، فحوَّل الموسيقى باكراً إلى فضاء لإعادة البناء الذاتي، رحلاته من الهند إلى الرأس الأخضر، ومن برلين إلى المكسيك، تُغذي اليوم جماليات هجينة تتمازج فيها التقاليد الشعبية والموسيقى الإلكترونية بشكل طبيعي. كـ Steel Alive، ينتمي عادل اسماعلي إلى جيل الموسيقيين الرحّالين الذين يستحيل وضعهم في خانة واحدة؛ فناني يرون في الموروث الثقافي لا متحفاً جامداً، بل مادة حيَّة منفتحة على الاحتكاك، وإعادة التفسير، واللقاءات، والعطاء المشترك.
الموسيقى الشعبية: فعل سياسي بلا خطاب
في عصر تعصف فيه التشنجات الهوياتية، والتوترات الجيوسياسية، وصعود التطرف، يغدو هذا الانسياب الثقافي شبه فعل سياسي، تُذكِّرنا «مَرَّة» بأن الموسيقى الشعبية ظلَّت تصمد على مر الأجيال بفضل الأسفار، والانصهار الثقافي، والروابط الإنسانية، وأن الثقافات تتقدم حين تتنقل وتتلاقى. وأن بعض الأسسة قادرة على هدم الحدود الخفية التي يشيدها الخوف.




تعليقات
0