
على مدى أربعة أيام كاملة، تحركت المدينة الروحية للمملكة على إيقاع أصوات وآلات قادمة من مختلف ربوع العالم، وكعادته كل سنة، كان الجمهور حاضرا، بتوافده بجميع السهرات، مؤكدا بذلك مدى تجذر المهرجان كموعد سنوي لعشاق التقاليد الموسيقية والحوارات ما بين الثقافات.
وتقاطر الجمهور المحلي على وجه الخصوص، بأعداد كثيرة ابتداء من الحفلات الأولى في الفترة الصباحية بدار عديل، إلى أوقات متأخرة من الليل بحدائق جنان السبيل، معبرا بذلك عن مدى ارتباط الفاسيين الوثيق بمهرجانهم السنوي والعريق.
وعلى مدى أربعة أيام كاملة، أيضا، أدى أزيد من 160 فنانا من حوالي عشرين بلدا على خشبات المهرجان، حوالي 18 عرضا وحفلا فنيا، إلى جانب مؤتمرات المنتدى ولقاءات حول المعارض الفنية. وعلى العموم، فهناك أزيد من 32000 متفرج ممن تنقلوا إلى المدينة الروحية ليساهموا بذلك في إنجاح هذه الدورة، ولاسيما بالساحة الشهيرة لباب الماكينة التي حج إليها قرابة 5000 متفرج.
حفل افتتاح ممتع ما بين السماء والأرض
تميزت دورة 2026 بالنجاح الذي حققه إبداع الحفل الافتتاحي، ففي يوم الخميس 4 يونيو، استعرض إبداع “انبثاق الروح من المادة-من السماء إلى الأرض” لوحة شاعرية وكوريغرافية تحتفي باللمسة السحرية والمقدسة للصانع التقليدي.
وتواصلت هذه السهرة مع المجموعة الموسيقية التقليدية لغرفة المعهد الموسيقي للصين، بدعوة لأول مرة بفاس، حيث بسطت بذلك جسرا ما بين التقاليد العريقة للشرق الأقصى وروح المدينة العتيقة، وقد لقي أداء الأوركسترا الصينية، المدعومة من طرف سفارة جمهورية الصين الشعبية، تجاوبا منقطع النظير من لدن جمهور الحاضرين، إلى جانب عرض فنان الجاز ليون فال، والمقدم بمساهمة التمثيلية الدبلوماسية السويسرية.
ألمانيا كضيف شرف: سهرة متميزة بأصوات نسائية
يوم الجمعة 5 يونيو، أدرج المهرجان تكريمه ضمن السياق الدبلوماسي الراهن، فبمناسبة ذكرى مرور 70 سنة على العلاقات الدبلوماسية ما بين المغرب وألمانيا، حظيت دولة ألمانيا بتكريم خاص ضمن فعاليات المهرجان.
إثر ذلك، نظم حفل “أناشيد- أصوات نساء الشرق والغرب” في أجواء نادرة مفعمة بالمحبة والتقاسم، تجمع ما بين الإبداع الصوتي “أجساد” (Bodies) للفنانة الأسترالية-الألمانية كاتي فرانكي، والأغاني الأرامينية للفنانة اللبنانية غادة شبير، والأنشودة الأندلسية اليهودية-العربية للفنانة الفاسية نبيلة معان وأول ظهور للفنانة الهندية كاوشيكي شاكرابارتي، البارعة في فن الخيال الهندي، والمتميزة بسرعة نادرة في التنقل المقامي والإيقاعي، تلث ذلك الأغاني الحوارية لنساء مجموعة أحواش إسافن للأطلس الكبير، لتزيد من توهج فقرات السهرة بتعبيرات نسائية، مقدسة ودنيوية.
سامي يوسف في عناق حار مع جمهوره الوفي
سيظل يوما السبت والأحد 6 و 7 يونيو ضمن اللحظات الأقوى والأكثر تتبعا خلال هذه الدورة، فقد شهدت حفلات سامي يوسف حضورا مكثفا للمشاهدين، في ظروف استقبال مثالية.
وقد اعتلى الفنان البريطاني منصة باب الماكينة أمام جمهور قياسي. وقد أثار حفله الموسيقي، الذي اتسم بطابع روحي، حماساً خاصاً من لدن جمهور الحاضرين.
وفي نفس الأمسية، استمتع الجمهور بأداء نجمة القوالي سانام مارفي، التي ترفع أغانيها الصوفية من شأن السعي وراء النشوة الروحية، بالإضافة إلى عرض “التجسيد” «Incarnation»، وهو عرض للرقصات الخميرية المقدسة من كمبوديا بعثت فيه الراقصات الروح من جديد تحت إشراف تشاب شامروين مينا.
ويوم الأحد 7 يونيو، اتخذ المهرجان بعدا ترحاليا من خلال فقرة «أغاني الجبال والسهول – استحضارا لطريق الحرير»، التي جمعت فنانين من منغوليا وأوزبكستان وطاجيكستان.
وقدمت أمسية الختام ”ليلة السماع – من فاس إلى قونية“، وهي مزيج بين فن السماع المغربي، أحد أرقى الأناشيد الروحية ببلدان المغرب العربي، والتقليد المولوي العريق للدراويش الدوارين في قونية، معقل الشاعر والفيلسوف الصوفي جلال الدين الرومي.
كما تميزت هذه الأمسية بمشاركة الفنان سامي يوسف، الذي تمت دعوته مرة أخرى، حيث قدم حفلاً موسيقياً ثانياً حضره جمهور غفير، وبعد ذلك، اختتمت أربعة أيام من الاحتفال بالذاكرة الحية تحت سحر الأصوات ورقصات الدراويش الدوارة.
مهرجان يتجاوز حدود الحفلات والعروض الموسيقية
إلى جانب الحفلات الموسيقية، تخللت هذه الدورة التاسعة والعشرين أحداث بارزة أخرى، فقد قدم المنتدى محتوى لمتدخلين رفيعي المستوى حول موضوع بالغ الأهمية هو الحفاظ على التراث ونقله، مستكشفاً على وجه الخصوص الروابط بين الأشكال الهندسية للزليج والعلوم.
كما تم إطلاق جائزة «Le Souffle de تكريما للمسة وإبداع الصانع والحرفي التقليدي، لتسليط الضوء على مهارات المواهب الشابة في مجال الحرف التقليدية، وبذلك يتم إطالة أمد موضوع «المعلمين» في إطار ديناميكية نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. وتخللت مسيرة زوار المهرجان معارض فنية متنوعة. وأخيرًا، شكّل البرنامج الصباحي إضافة جديدة، مما أتاح للجمهور تمديد تجربة المهرجان إلى ما بعد حفلات وعروض الفترة المسائية.
من جهة أخرى، حظيت الشراكات الدبلوماسية، ولا سيما مع ألمانيا وسويسرا والصين، بالثناء لتميزها ومساهمتها في إشعاع المهرجان على الصعيد العالمي.
وفي الأخير، لا بد من الإشارة على أن نجاح المهرجان لم يكن ليتحقق لولا مساهمة ووفاء الجهات الداعمة له، إلى جانب الفاعلين المحليين، والمؤسساتيين والجامعيين، والفاعلين السياحيين والجمعيات، والشركاء الإعلاميين؛ والذين ساهموا كلهم في إشعاع المهرجان وضمان شهرته على الصعيدين المحلي والدولي.
وللتذكير، فمهرجان فاس يعتبر أول مهرجان عالمي للموسيقى العالمية العريقة، وقد تجلى ذلك من خلال حصوله على جائزة “ميركوريو ألاطو”. وسيواصل مسيرته، مع مرور السنين والأعوام، في نسج جسور للمحبة والوئام ما بين الشعوب ومقدساتها وذاكراتها.




تعليقات
0