
مع كل محطة انتخابية بإقليم برشيد، يتجدد المشهد نفسه، وكأن الزمن السياسي يدور في حلقة مفرغة. الوجوه ذاتها تعود إلى الواجهة، فيما لا يتجاوز التغيير في كثير من الأحيان لون الشعار الحزبي أو اسم التنظيم السياسي، أما الفاعلون والخطابات والآليات، فتظل في الغالب على حالها.
هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول معنى التنافس الديمقراطي، وحول قدرة الأحزاب على تجديد نخبها وفتح المجال أمام كفاءات جديدة تحمل مشاريع حقيقية قادرة على الاستجابة لتطلعات الساكنة. فحين يصبح الانتقال من حزب إلى آخر مجرد تغيير في اللافتة، دون مراجعة في الرؤية أو الممارسة، يفقد العمل السياسي جزءاً كبيراً من مصداقيته.
وإذا كانت الفترة القانونية للحملة الانتخابية هي المجال الطبيعي لعرض البرامج وإقناع الناخبين، فإن المتتبعين للشأن المحلي يتحدثون عن مرحلة تسبق ذلك، تتحرك فيها شبكات من الوسطاء والفاعلين المحليين الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب “الكتل الانتخابية”، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة الممارسة السياسية بالإقليم.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض هؤلاء الوسطاء هم منتخبون أو مسؤولون محليون، يتعاملون مع الأصوات وكأنها رصيد شخصي يمكن نقله من مرشح إلى آخر، عبر أرقام وحسابات توحي بأنهم يمتلكون قرار الناخبين، لا مجرد ثقتهم. وهي صورة تختزل المواطن في رقم انتخابي، بدل اعتباره صاحب إرادة حرة وقرار مستقل، وهو ما يتنافى مع جوهر الديمقراطية وروح الدستور.
فكيف يمكن لمشروع سياسي يرفع شعارات الإصلاح، والتنمية، والعدالة المجالية، والنهوض الاقتصادي والاجتماعي، أن ينطلق من ممارسات تجعل المواطن مجرد رقم في معادلة انتخابية؟ وكيف يمكن الحديث عن تجديد الثقة في المؤسسات، إذا كانت البدايات نفسها تبنى على منطق النفوذ والولاءات، بدل منطق البرامج والكفاءة؟
إن إقليم برشيد، بما يزخر به من مؤهلات بشرية واقتصادية، يستحق تنافساً سياسياً حقيقياً يقوم على الأفكار، لا على الحسابات الضيقة، وعلى البرامج الواقعية، لا على شبكات المصالح. كما أن الناخب اليوم أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأقدر على التمييز بين من يحمل مشروعاً للتنمية، ومن يكتفي بتغيير الانتماء الحزبي كلما اقتضت المصلحة الانتخابية ذلك.
فالرهان الحقيقي لم يعد في تغيير الألوان، بل في تغيير العقليات والممارسات، لأن الديمقراطية لا تقاس بعدد المقاعد المحصلة، وإنما بمدى احترام إرادة المواطنين، وإعلاء قيمة السياسة باعتبارها خدمة للصالح العام، لا موسماً لإعادة تدوير الوجوه نفسها.




تعليقات
0