
لم تعد قضية النظافة بمدينة الدروة مجرد ملف خدماتي عادي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا التي تستأثر باهتمام الساكنة وتفرض نفسها على أجندة الشأن المحلي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالصحة العامة، وجودة العيش، وجمالية المدينة التي تعرف توسعًا عمرانياً وديموغرافياً متسارعاً.
وخلال السنوات الأخيرة، أبان المجلس الجماعي للدروة عن إرادة واضحة للنهوض بهذا القطاع، من خلال إطلاق حملات واسعة للنظافة شملت مختلف أحياء المدينة، بمشاركة المنتخبين وفعاليات المجتمع المدني وعدد من المتطوعين، تزامناً مع حملات تحسيسية هدفت إلى ترسيخ ثقافة المحافظة على البيئة والمساحات العمومية.
ولم تتوقف هذه الجهود عند الجانب التحسيسي، بل انتقلت إلى مرحلة تعزيز الإمكانيات اللوجستية، حيث اقتنت الجماعة حاويات جديدة بمختلف الأحياء، ورصدت اعتمادات مالية مهمة لتحديث أسطول النظافة، عبر توفير 13 شاحنة ضاغطة متطورة تعمل بنظام الضغط الهيدروليكي، صُممت لرفع قدرة استيعاب النفايات وتقليص عدد رحلات النقل وضمان جمعها في ظروف صحية وآمنة، إلى جانب شاحنتين كبيرتين بطاقة استيعابية تصل إلى 20 طناً مخصصتين لنقل النفايات المنزلية الى المطرح المتواجد خارج المدينة.
كما وجهت الجماعة نداءً متكرراً إلى ساكنة المدينة من أجل احترام توقيت إخراج النفايات، والالتزام بالساعات المحددة لمرور شاحنات الجمع، تفادياً لتكدس الأزبال بالأحياء، مع التأكيد على ضرورة الصيانة الدورية للأسطول لضمان استمرارية الخدمات وتحقيق الأهداف المسطرة في إطار تحسين المشهد الحضري والارتقاء بجودة الحياة.
غير أن الواقع الميداني، الذي وثقته كاميرا جريدة الألباب 360 خلال جولة بعدد من أحياء المدينة، كشف عن مشاهد تثير أكثر من علامة استفهام، خصوصاً بإحدى نقط تجميع النفايات، حيث وقفت الجريدة على وجود حاويات شبه فارغة، في مقابل انتشار أكوام من مخلفات البناء والجبص والأتربة، إضافة إلى علب لمواد تجميل منتهية الصلاحية ونفايات أخرى ملقاة خارج الحاويات، في مشهد يعكس غياب احترام الفضاء العمومي أكثر مما يعكس نقصاً في وسائل النظافة.

وبحسب المعطيات التي توصلت إليها الجريدة من خلال معايناتها الميدانية وما تم تداوله محلياً، فإن عدداً من الأشخاص يعمدون إلى التخلص من هذه المخلفات بعد نقلها من خارج المجال الترابي لمدينة الدروة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام بعض الوافدين للقوانين المنظمة لتدبير النفايات، وحول الحاجة إلى مزيد من المراقبة والتنسيق بين مختلف المتدخلين. ويبقى هذا الأمر في حاجة إلى متابعة من الجهات المختصة للتحقق من أبعاده واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبتت هذه الممارسات.
إن الإشكال المطروح اليوم لا يرتبط بغياب الإمكانيات، بقدر ما يرتبط بضرورة حماية الاستثمارات التي أنجزتها الجماعة من كل السلوكيات التي تفرغها من مضمونها. فحين تتحول الحاويات إلى نقطة لإلقاء مخلفات البناء والنفايات غير المنزلية، فإن المتضرر الأول هو المواطن، كما تتعرض آليات النظافة لضغط إضافي ينعكس على مردودية القطاع بأكمله.

وتقتضي المرحلة الحالية اعتماد مقاربة أكثر صرامة تقوم على تكثيف المراقبة، وتفعيل المساطر القانونية في حق كل من يثبت تورطه في الرمي العشوائي للنفايات، خاصة مخلفات البناء، مع تعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين، ووضع آليات عملية للتبليغ عن هذه السلوكيات، حتى لا تتحول مدينة الدروة إلى وجهة للتخلص من نفايات مناطق أخرى.
فالنظافة مسؤولية مشتركة، تبدأ من احترام المواطن للفضاء العام، وتمر عبر يقظة السلطات والجماعة، ولا تنتهي إلا حين تصبح حماية المدينة ثقافة يومية وسلوكاً جماعياً. فالدروة تستحق أن تحافظ على صورتها كمدينة صاعدة، لا أن تتحول بعض فضاءاتها إلى نقاط سوداء بسبب تصرفات فردية لا تمثل قيم ساكنتها.



تعليقات
0