
في زمن أصبحت فيه مسارات النجاح تُقاس بما تتركه من أثر أكثر مما تُراكمه من مناصب، يبرز اسم الأستاذة خديجة منفلوطي كواحد من النماذج النسائية التي شقت طريقها بثبات بين فضاءات التربية، والعمل الحقوقي، والتدبير المؤسساتي، والفعل السياسي، لتؤكد أن الكفاءة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج حتى تفرض حضورها، وإنما إلى سنوات من الالتزام والعمل الجاد.
ولعل أحدث محطة في هذا المسار كانت لحظة التكريم الذي خصتها به رئاسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهو تكريم لم يكن مجرد احتفاء بشخص، بقدر ما كان اعترافاً بمسيرة مهنية وإدارية تركت خلالها بصمة واضحة داخل واحدة من أكبر المؤسسات الجامعية بالمملكة، حيث ساهمت، من موقع مسؤوليتها في العلاقات الخارجية والشراكات مع المحيط السوسيو-اقتصادي وطنياً ودولياً، في تعزيز انفتاح الجامعة على محيطها، وبناء جسور التعاون مع مختلف الفاعلين، في نموذج يعكس قدرة الكفاءات النسائية المغربية على الجمع بين التدبير الناجع والرؤية الاستراتيجية.

غير أن قراءة تجربة خديجة منفلوطي لا يمكن أن تتوقف عند حدود المؤسسة الجامعية، لأن مسارها يمتد إلى فضاءات أخرى ظل فيها الحضور مقروناً بالفعل، والعمل مرتبطاً بالنتائج.
ففي قطاع التربية والتعليم، راكمت تجربة مهنية طويلة كمربية للأجيال، مؤمنة بأن بناء الإنسان يظل الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع، قبل أن تنتقل بخبرتها إلى مواقع المسؤولية الإدارية، حيث ظلت وفية لقيم الانضباط، والجدية، وخدمة المرفق العمومي.
أما في المجال الحقوقي والجمعوي، فقد تجاوز عطاؤها ثمانية عشر عاماً من العمل المتواصل، انخرطت خلالها في الدفاع عن قضايا المرأة والشباب والمجتمع المدني، وأسهمت في تأطير العديد من المبادرات التي جعلت من المناصفة وتمكين المرأة عنواناً لمشروع مجتمعي أكثر عدلاً وإنصافاً.
ويشهد المشهد السياسي بدوره على هذا المسار؛ إذ كانت من مؤسسي حركة لكل الديمقراطيين، قبل أن تواصل مسيرتها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث تقلدت مسؤوليات تنظيمية وسياسية متعددة، من بينها عضوية المجلس الوطني للحزب، ورئاسة لجنة التعمير وإعداد التراب الوطني والبيئة بمجلس مدينة الدار البيضاء سابقاً، وهو موقع تطلب رؤية تدبيرية دقيقة في ملفات ترتبط بالتخطيط الحضري والتنمية المجالية.

ولم يكن اختيارها ضمن اللجنة المكلفة باللوائح الجهوية النسائية للاستحقاقات البرلمانية المقبلة سوى امتداد طبيعي لمسار راكم التجربة والمصداقية، في رسالة سياسية تحمل أكثر من دلالة، أبرزها أن الأحزاب التي تؤمن بتجديد نخبها لا يمكن أن تتجاهل مناضلات قدمن سنوات طويلة من الالتزام والعمل داخل التنظيم، وأن مبدأ إنصاف الكفاءات النسائية لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار، بل ممارسة تعكس احترام تاريخ المناضلين والمناضلات.
وتبرز في هذا السياق تزكية الأستاذة خديجة منفلوطي على مستوى الجهة باعتبارها اعترافاً بما راكمته من تجربة ميدانية وسياسية، وبما تمتلكه من مؤهلات تؤهلها لتمثيل المرأة المغربية داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة وأن حضورها ظل دائماً مرتبطاً بالعمل الهادئ والبعيد عن منطق الاستعراض.
وتجمع شخصيتها بين الصرامة المهنية والبعد الإنساني، وبين قوة القرار وحسن التواصل، وهي خصال جعلتها تحظى باحترام مختلف المتعاملين معها داخل الجامعة، وفي العمل الجمعوي والسياسي على حد سواء.

إن قصة خديجة منفلوطي ليست مجرد سيرة ذاتية لمسؤولة أو فاعلة سياسية، بل هي نموذج لامرأة اختارت أن يكون رصيدها الحقيقي هو العمل، وأن يكون معيار نجاحها ما تتركه من أثر في المؤسسات التي مرت بها، وفي الأشخاص الذين اشتغلت معهم، وفي القضايا التي آمنت بها.
ولأن التاريخ لا ينصف إلا أصحاب الأثر، فإن تكريم جامعة الحسن الثاني لها، وتزكيتها سياسياً بعد سنوات من العطاء، يبدوان محطتين تلتقيان عند حقيقة واحدة: أن الكفاءات الصادقة قد تتأخر لحظة الاعتراف بها، لكنها لا تضيع، وأن الاستثمار في المرأة المغربية الكفؤة ليس امتيازاً، بل رهان على مستقبل تديره الخبرة، وتصنعه الإرادة، ويقوده الإيمان بأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة الإنسان.




تعليقات
0