الرباط يرفض رفع الحصار الكوبي وسط إصرار هافانا على دعم البوليساريو
اعتمد مجلس الأمم المتحدة، في جلسة الأربعاء، قرارًا ينادي بإنهاء الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ ستينيات القرن الماضي. حصل القرار على دعم 133 دولة، بينما عارضته 17 دولة، بينها الولايات المتحدة وأوكرانيا والإمارات وكولومبيا والباراغواي والمملكة المغربية، فيما امتنع 25 دولة عن التصويت، منها ألمانيا وقطر والبحرين وإيطاليا ومولدوفا. هذا التصويت، الذي أثار تساؤلات حول استراتيجيات الرباط الدبلوماسية، جاء في وقت تتغير فيه موازين التحالفات الدولية وتتعقد حسابات المصالح القومية. كان تصويت المغرب ضد القرار أحد أبرز النقاط التي استحوذت على الانتباه، خاصة مع خلفية العلاقات التاريخية المعقدة بين الرباط وهافانا، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدعم كوبا للمشروع الانفصالي في الصحراء المغربية. قبل الجلسة، أكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن رفض هذا القرار يمثل “الحاجز الوحيد” الذي يمنع استغلال الجمعية العامة من قبل نظام كوبي “فاسد وقائم على نهب الدولة”. شدد والتز على أن “تصويت الدول المعارضة يمنح النظام الكوبي انتصارًا دعائيًا على حساب الشعب الكوبي نفسه”، مشيرًا إلى أن معاناة السكان لا تنبع من الحصار الأمريكي، بل من “النظام الذي يستغل هذا التصويت كوسيلة دعائية عبر التلفزيون الرسمي ليقنع الشعب بأن العالم يقف إلى جانبه”. في تحليل سياسي، أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن دلالة التصويت المغربي لا تكمن في الموقف من كوبا فقط، بل في كيفية إدارة الدول الأولويات الاستراتيجية داخل المؤسسات الدولية. “الدول التي تمتلك أهدافًا استراتيجية واضحة لا تتعامل مع جميع القرارات الدولية بنفس الوزن”، وفق معتضد، الذي أشار إلى أن المغرب، مثل العديد من الدول، يميز بين الملفات التي تهم مصالحه الحيوية وبين تلك التي تتيح له التعبير عن موقعها ضمن شبكات شراكاته الدولية. “العنصر الأساسي هنا هو التمييز بين الاصطفاف الدبلوماسي وإدارة المصالح الاستراتيجية”، وفق ما أوضح، مشيرًا إلى أن التصويت إلى جانب الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة تبني جميع مواقف واشنطن، بل يعكس استعداد المغرب لتحمل التكاليف الدبلوماسية لموقف مخالف للأغلبية. من جانب آخر، رأى سعيد بركنان، محلل سياسي، أن التصويت المغربي يحمل رسالة دبلوماسية واضحة إلى كوبا. “هذا القرار ليس مجرد رفض لرفع الحصار، بل رسالة إلى هافانا بشأن تجاهلها للتطورات الأخيرة في قضية الصحراء المغربية”، وفق بركنان. وأشار إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي أقر بالسيادة المغربية على الصحراء، لم يتغير معه موقف كوبا، التي استمرت في دعم جبهة البوليساريو. “المغرب لا يتوقع من كوبا تغيير موقفها بشكل مفاجئ، لكن ما يتوقع هو أن تستوعب التغييرات الدبلوماسية الجديدة وتعيد تقييم علاقاتها مع الرباط”، وفق ما أوضح المحلل. وشدد بركنان على أن العلاقات المغربية الكوبية، رغم استئنافها رسميًا، لم تتخل عن دعمها التقليدي لطرح تقرير المصير في الصحراء. “كوبا لم تتخلص من الإرث السياسي المنحاز لجبهة البوليساريو، وهذا ما يجعل التصويت المغربي رسالة قوية مفادها أن هافانا يجب أن تتخلص من هذا الإرث وتعيد ترتيب أولوياتها الدبلوماسية”، وفق تصريحه. وأكد أن المغرب لن يقبل أي شكل من أشكال تجاهل السيادة المغربية أو إهمال قرار الأمم المتحدة بشأن الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية. في ختام التحليل، أوضح معتضد أن أهمية التصويت المغربي لن تتحدد فقط بالرد على كوبا، بل في قدرته على الحفاظ على اتساق الخطاب الدبلوماسي المغربي. “الدبلوماسية الناجحة لا تبحث عن الانسجام الشكلي في كل تصويت، بل في القدرة على إدارة الاختلافات دون تحويلها إلى قطيعة سياسية”، وفق ما أوضح. وأشار إلى أن المغرب يحرص على تنويع شراكاته وتعزيز حضوره في فضاءات جغرافية متعددة، وهو ما يتطلب مرونة استراتيجية في إدارة العلاقات الدولية. “المرونة لا تعني تبديل المبادئ، بل التمييز بين المصالح التي تستوجب التقارب والخلافات التي يجب احتواؤها”، وفق ما أوضح، مشيرًا إلى أن القرارات الدبلوماسية يجب أن تنسجم مع تصور طويل المدى لمكانة الرباط في العالم.





تعليقات
0