قضية الصحراء.. نهاية زمن الوصاية على الإنسان وثبات الموقف المغربي
في يوم 30 أكتوبر 2026، لم يكن الفيتو الروسي في مجلس الأمن مجرد منع لمشروع أمريكي، بل كان إشارة واضحة إلى مأزق سياسي بشري امتد نصف قرن، حيث دفعه الصحراويون الثمن الأكبر. لم يقتصر الأمر على عرقلة قرار، بل على تكشف واقع أجيال من البشر تعيش في مخيمات تندوف، بعيداً عن أرضها، في انتظار حل لم يكن لهم فيه صوت. هذه المأساة الإنسانية، التي تظل معلقة منذ عقود، لم تحظَ بالاهتمام الكافي وسط نقاشات القرارات الدولية، رغم أنها تتركز حول آلاف البشر الذين لم يعرفوا وطنهم سوى من صور وروايات. جلسة مجلس الأمن التي انتهت دون قرار جديد حول المينورسو كانت غير مسبوقة منذ إنشائها عام 1991. المشروع الأمريكي، الذي حصل على 11 صوتاً مؤيداً، فشل بسبب الفيتو الروسي، بينما لم يحظَ البديل الروسي، الذي يقترح تمديد ولاية البعثة دون تغيير، بالأغلبية المطلوبة. هذا الفشل ليس مجرد تفاصيل دبلوماسية، بل يعكس استمرار مأساة إنسانية لم تتغير منذ عقود. الصحراويون الذين وجدوا أنفسهم في مخيمات تندوف منذ عام 1975، بعد اتفاقات الجزائر، لم يعودوا إلى أرضهم، بل أصبحوا رهائن لصراع سياسي لم يشاركوا فيه. الجزائر، التي تستضيف هذه المخيمات، تحمل مسؤولية كبيرة في هذا الملف. ليس مجرد دعم سياسي لجبهة البوليساريو، بل مسؤولية مباشرة عن ظروف حياة آلاف البشر الذين يعيشون في انتظار حل لم يكن لهم فيه دور. من حق المجتمع الدولي أن يسأل الجزائر عن ضمان حرية التنقل للصحراويين، وعن حقهم في اختيار مستقبلهم بعيداً عن أي وصاية سياسية. هذه المسؤولية لا يمكن تجاهلها، خاصة عندما تكون الجزائر الدولة التي توفر الغطاء السياسي والعسكري لجبهة البوليساريو، وتتحمل تأثيرات هذا الوضع على السكان. تاريخ هذا النزاع يعود إلى عقود مضت. في عام 1963، بعد حرب الرمال، تعرض مغاربة يعيشون في الجزائر لآثار القطيعة بين البلدين، بما في ذلك من ساهموا في مقاومة الاستعمار الفرنسي. ثم جاء عام 1975، عندما طُرد نحو 45 ألف أسرة مغربية من الجزائر، وفق تقارير حقوقية وشهادات الضحايا. تلك العائلات، التي بنت حياتها هناك، وجدت نفسها فجأة أمام الترحيل القسري، في مشهد لا يتفق مع أبسط قواعد الجوار والحقوق الإنسانية. هذه الوقائع ليست مجرد تاريخ، بل تذكير بأن القرارات السياسية حين تتحول إلى أدوات للعقاب الجماعي، فإن الإنسان العادي هو أول من يدفع الثمن. الجزائر نفسها عانت من مأساة داخلية عميقة في تسعينيات القرن الماضي، بعد إلغاء المسار الانتخابي عام 1992 والتدخل العسكري الذي أعقب ذلك. دخل البلد في عقد من العنف خلف عشرات الآلاف من الضحايا، وقدرت بعض المصادر عدد القتلى بما قد يصل إلى مئتي ألف. هذه المأساة المعقدة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن إجهاض المسار السياسي كان منعطفاً حاسماً في تاريخ البلاد. هذا التاريخ يطرح سؤالاً حول العلاقة بين استمرار النزاع الخارجي والحاجة إلى تعبئة الداخل حول عدو دائم، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى مشروع تنموي وديمقراطي يفتح أمام شبابها آفاق المستقبل. الصحراويون في تندوف ليسوا مجرد أرقام في تقارير المساعدات، بل بشر لهم الحق في الحياة الكريمة، وفي التنقل، وفي التواصل مع أسرهم. من حقهم أن يرفعوا أصواتهم للمطالبة بإنهاء وضع لا يجوز أن يتحول إلى قدر موروث. هذه الأجيال، التي ولدت في المخيمات وكبرت فيها، ربما أنجبت أطفالاً لم يعرفوا من الوطن سوى صور وروايات وحنين مؤجل. عندما يصبح استمرار المخيمات ضرورياً لاستمرار خطاب سياسي، فإن السكان يتحولون إلى دروع بشرية في مواجهة الخصم، وتصبح معاناتهم جزءاً من أدوات الضغط والمساومة. هذه هي المأساة الأخلاقية الكبرى: أن يُطلب من أجيال كاملة أن تظل في الانتظار، وأن يُختزل حياتها في قضية لم تشارك في صياغة مساراتها. المغرب، من ناحية أخرى، لا يستمد قوته من تصويت عابر أو شهادة من دولة أخرى. وحدة التراب المغربي ليست موضوعاً للمساومة، بل حق تاريخي واستمرارية دولة عريقة. المغرب حافظ على وحدته عبر قرون، رغم التحولات والصراعات ومحاولات التوسع الخارجي. هذه الاستمرارية ليست مجرد حدود جغرافية، بل روابط سياسية وتجارية ودينية وثقافية امتدت إلى عمق غرب إفريقيا. قوة المغرب تكمن في تلاحم مؤسساته وشعبه، وفي تلك الرابطة التاريخية التي تجمع الملك بالشعب، والتي ظلت عنصراً أساسياً في ضمان الاستمرارية خلال مراحل دقيقة من تاريخ البلاد. بلاغ الديوان الملكي الصادر بعد جلسة مجلس الأمن يحمل دلالة خاصة. اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية في الأمم المتحدة. هذا البلاغ يعبر عن انتقال من منطق تدبير الملف إلى منطق التحول العميق في معاييره، ويؤكد أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة. هذا الموقف المغربي الرسمي يعبر عن مرحلة جديدة في تدبير الملف، وعن رفض استمرار وضع لم يعد المغرب يرى فيه مبرراً سياسياً أو عملياً. إن الصحراويين في تندوف ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل بشر لهم الحق في الحياة الكريمة، وفي التنقل، وفي التواصل مع أسرهم. من واجب المنظمات الإنسانية أن تواصل عملها، وأن تحظى بحرية الوصول إلى السكان، بعيداً عن أي توظيف سياسي للمساعدات أو عرقلة لعملها. أما المغرب، فسيواصل مسيرته في بناء أقاليمه الجنوبية والدفاع عن وحدته الوطنية، مستنداً إلى عمقه التاريخي وإرادة شعبه وتلاحمه مع ملكه. الأوطان العريقة لا تستمد شرعيتها من شهادات الآخرين، وإنما من تاريخها واستمرارية دولتها وإرادة أبنائها. الجزائر، في هذا السياق، تواجه مسؤولية تاريخية لا يمكن تجاهلها. توظيف الصحراويين في صراعها مع المغرب، بدلاً من البحث عن تسوية تضع حداً لمعاناة السكان، يجعل الإنسان الصحراوي رهينة حسابات تتجاوز احتياجاته اليومية وحقوقه الأساسية. عندما يصبح استمرار المخيمات ضرورياً لاستمرار خطاب سياسي، فإن السكان يتحولون إلى دروع بشرية في مواجهة الخصم، وتصبح معاناتهم جزءاً من أدوات الضغط والمساومة. هذا هو الواقع الذي يجب أن يتوقف عنه، وأن يضع حداً لمأساة إنسانية امتدت نصف قرن. ليس من المقبول أن يرث الأطفال خيام آبائهم، وأن يرثوا معها نزاعاً لم يختاروه.





تعليقات
0