خليل ولد اجدود: خروج المينورسو يعلن نهاية مشروع الانفصال عن المغرب
بعد خمسة وثلاثين عامًا من وجودها، انتهت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (المينورسو)، في خطوة اعتبرها صحفي موريتاني مكسبًا دبلوماسيًا واستراتيجيًا للمغرب، مؤكدًا أنها تعلن بداية نهاية المشروع الانفصالي في المنطقة. الخليل ولد اجدود، في مقال تحليلي، ربط هذا الانسحاب بالتغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن المغرب نجح في تحويل الفيتو الروسي ضد قرار أمريكي بشأن الصحراء إلى مكسب سياسي، مما يفتح بابًا جديدًا لتقدم التنمية والاستثمار على حساب استمرار النزاع. القرار المغربي، الذي أعلن عن إنهاء وجود البعثة الأممية، جاء بعد سنوات من جهود دبلوماسية مكثفة، حيث نجح المغرب في تحويل ما بدا كانتكاسة إلى فرصة استراتيجية. لم يعد وجود المينورسو في الصحراء مجرد تدويل للنزاع، بل أصبح جزءًا من مرحلة جديدة تتقدم فيها المشاريع التنموية والاقتصادية، مع تحويل الأقاليم الصحراوية إلى مركز اقتصادي ولوجستي يربط إفريقيا بأوروبا والأميركتين. هذا التحول لا يقتصر على تغيير صورة المنطقة، بل يهدف إلى تحويلها إلى محور استثماري وسياحي، بفضل المشاريع الكبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعزز موقع الصحراء كمنصة لوجستية عالمية.
نهاية تدويل النزاع
مشهد جنود البعثة الأممية يفككون مقراتهم المؤقتة غرب وشرق الجدار الدفاعي المغربي، ويجمعون معداتهم، ليس مجرد صورة رمزية، بل علامة على نهاية تدويل قضية الصحراء. منذ عام 2006، عندما زار الصحافي المنطقة لأول مرة لتغطية زيارة ملكية تاريخية، شهدها خلال عقدين من المهام الميدانية، حيث رصد كيف تحولت الصحراء من منطقة نزاع إلى مركز تنموي. تلك الزيارات الميدانية، التي امتدت إلى ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي، كانت لتوثيق ردود الفعل على جلسة مجلس الأمن وانتهاء ولاية المينورسو، والتي كانت آخر مرحلة من تدويل النزاع. المغرب، منذ عام 1991، عمل على إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية بشأن الصحراء، حيث نجح في تحويل ما كان يُنظر إليه كعائق أمام السلام إلى فرصة لتسوية دبلوماسية. نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل الفيتو الروسي إلى مكسب سياسي ليس مجرد صدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد. روسيا، التي استخدمت الفيتو ضد مشروع قرار أمريكي يعتبر الحكم الذاتي الأساس الوحيد للمفاوضات، لم تكن تدعم بالضرورة البوليساريو أو الجزائر، بل كانت تحمي مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. العلاقات بين الرباط وموسكو تحكمها مصالح متشابكة، حيث تستفيد روسيا من السوق المغربية ومنافذها البحرية، بينما يوفر المغرب لروسيا وصولًا إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية.
التحول الدبلوماسي والاقتصادي
الانسحاب المنظم للمينورسو يأتي في سياق نجاح المغرب في إعادة تأهيل صورته الدولية، حيث عاد إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، وتوجت هذه الخطوة بزيارة الملك محمد السادس إلى أديس أبابا. هذا التحول الدبلوماسي كان مصحوبًا بسحب اعتراف العديد من الدول الإفريقية بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وزيادة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. على المستوى الدولي، رصدت الولايات المتحدة اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء عام 2020، تلتها فرنسا خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى الرباط، ثم بريطانيا وإسبانيا، التي اعترفت جميعها بمبادرة الحكم الذاتي كأساس لتسوية النزاع. الموقف الدولي الجديد يعكس اتساع التأييد الدولي لمبادرة المغرب، وتراجع مساحة المناورة الدبلوماسية أمام الأطروحات الانفصالية. الفيتو الروسي، الذي اعتبره البعض انتصارًا للبوليساريو، لا يعكس بالضرورة انحيازًا روسيًا، بل هو جزء من ديناميات مجلس الأمن التي تحكمها المصالح الدولية، وليس بالضرورة المواقف الإقليمية. روسيا، مثل الولايات المتحدة، تستخدم حق النقض وفق حسابات مصالح تتجاوز الملف الذي يجري التصويت عليه. العلاقات المغربية الروسية، التي تتجاوز التصويت في مجلس الأمن، تشمل قطاعات اقتصادية استراتيجية مثل الفحم والنفط والصيد البحري والطاقة النووية.
المصالح الاقتصادية بين الرباط وموسكو
العلاقات الاقتصادية بين المغرب وروسيا ليست مجرد تجارة، بل تشمل اتفاقات استراتيجية في قطاعات حيوية. دراسة لمؤسسة كارنيغي أشارت إلى أن العلاقات تشمل استيراد روسيا شحنات بنزين من المغرب، في ظل نقص البنزين بسبب الهجمات على مصافيها، بينما تحدثت تقارير عن ناقلات تحمل الديزل الروسي متجهة إلى المغرب. هذا التداخل في المصالح التجارية والطاقوية يبرز أيضًا في اتفاق الصيد البحري الجديد، الذي يتيح للأسطول الروسي رفع الحصة إلى 100 ألف طن. المغرب، الذي تطور مشاريعه المينائية الكبرى مثل ميناء الداخلة وميناء الناظور، لا ينظر إلى موقعه الجغرافي كمنافذ تجارية فقط، بل كمنصات استراتيجية لربط الأسواق الإفريقية والأوروبية والأمريكية. المغرب، منذ استقلالها، عمل على تنويع شراكاته الدولية، حيث لا تقتصر علاقاته على الغرب، بل تشمل روسيا والصين والهند. هذه العلاقات لا تبنى على منطق الولاء المحوري، بل على المصالح الجوهرية للمملكة. المغرب، منذ سنوات، دخل في حوار استراتيجي مع روسيا، رغم التباينات في المواقف بشأن بعض الملفات الإقليمية. روسيا، مثل بقية القوى الكبرى، تحكم سياستها حسابات المصالح، وليس بالضرورة المواقف السياسية أو التاريخية.
التحذيرات من العودة إلى الماضي
التحذيرات من عودة المنطقة إلى أجواء الحرب، التي كانت سائدة في السبعينيات والثمانينيات، تتجاهل التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة خلال نصف قرن. المغرب اليوم ليس المغرب السابق، حيث تعتمد جبهة البوليساريو على حرب العصابات ومحاولات التسلل، على طريقة جماعات الجريمة المنظمة. حتى عندما لجأت إلى إطلاق صواريخ غراد ومقذوفات دربهم، لم تتمكن من تحقيق أهدافها، بفضل القدرات العسكرية والتكنولوجية الحديثة للجيش الملكي المغربي. هذا الجيش، الذي يستخدم الأقمار الصناعية العسكرية والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، قادر على صد أي تحركات عدائية. الخليل ولد اجدود، في مقاله، استبعد عودة المنطقة إلى أجواء الحرب، مشيرًا إلى أن المشاريع الملكية الكبرى تعزز موقع الصحراء كمركز اقتصادي ولوجستي. الصحراء المغربية، منذ أن دخلت في دينامية مبادرات الملك محمد السادس، لم تعد مجرد منطقة نزاع، بل أصبحت قبلة للاستثمارات في البنية التحتية والموانئ والطرق السريعة، وجذب السياح. هذه الاستثمارات ترتبط بمصالح جوهرية تتجاوز حدود المملكة، حيث أصبح المغرب اليوم يمتلك اليد العليا عسكريًا ودبلوماسيًا وسياسيًا، وفق ما أشارت إليه دراسات معهد الدفاع السويدي. الانسحاب المنظم للمينورسو ليس مجرد نهاية وجود أممي، بل بداية مرحلة جديدة تتقدم فيها التنمية والاستقرار في الصحراء المغربية، مع تحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي ولوجستي عالمي. هذا التحول، الذي بدأ منذ عقود، يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية، وتحويل النزاع إلى فرصة استراتيجية.





تعليقات
0