نهاية المينورسو: نقل ملف الصحراء إلى مفاوضات الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

نهاية المينورسو: نقل ملف الصحراء إلى مفاوضات الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية
رضوان منفلوطي الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 03:50

نهاية المينورسو: نقل ملف الصحراء إلى مفاوضات الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

انتهت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية، “المينورسو”، رسميًا في 31 أكتوبر 2026، بعد فشل مجلس الأمن في تجديد ولايتها. هذا القرار، الذي جاء بعد استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع أمريكي حصل على 11 صوتًا، يفتح بابًا جديدًا في مسيرة النزاع، حيث أصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مرجعية أساسية للمفاوضات بعد عقود من الجمود الأممي. لا يعني هذا نهاية العملية السياسية، بل تحولًا في طريقة تدبيرها، مع تراجع دور الآليات الدولية التقليدية وتزايد دور المشاريع الاستراتيجية التي تربط الأقاليم الجنوبية بمحيطها الإفريقي والأطلسي.

النتائج العملية لهذا التحول ستظهر في عدة مستويات. أولًا، ستفقد المنطقة آلية المراقبة الأممية التي كانت توفر، على الأقل، إطارًا للتواصل والتحقق من الوقائع الميدانية. هذا الفراغ قد يزيد من احتمالات التصعيد، خاصة في مناطق مثل الكركرات، حيث أظهرت تجربة 2020 أن البوليساريو قادرة على استخدام التحركات الميدانية كوسيلة ضغط سياسي. ثانيًا، ستتغير طبيعة التفاوض نفسها، حيث لن يكون الحديث حول خيارات نهائية مثل الاستقلال أو الاندماج، بل حول تفاصيل المؤسسات المحلية، صلاحياتها، ومواردها. ثالثًا، ستتسارع المشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب، مثل ميناء الداخلة الأطلسي ومبادرة الربط بين دول الساحل والمحيط الأطلسي، والتي ستعزز من موقع الصحراء في شبكات التجارة والطاقة الإفريقية.

### الفراغ الأمني: مخاطر التصعيد والردع
مع نهاية المينورسو، ستتغير ديناميات الأمن في المنطقة بشكل مباشر. منذ تأسيس البعثة عام 1991، كانت دورتها توفر، على الأقل، مستوى من الرصد والتحقق من الوقائع، حتى لو كان محدودًا. الآن، ستتقلص هذه الآلية إلى فريق محدود للإشراف على سحب الأفراد والمعدات، ما يترك مجالًا واسعًا لزيادة التوتر الميداني. تجربة الكركرات في نوفمبر 2020 أظهرت كيف يمكن للبوليساريو استخدام قطع حركة المرور في محور استراتيجي كوسيلة ضغط، ثم توظيفها سياسيًا وإعلاميًا. بدون مراقب أممي، ستزداد صعوبة التحقق من أي تحركات قد تتطور إلى مواجهات، خاصة في المناطق التي يصعب فيها التمييز بين تحرك استفزازي وحادث عابر.

المغرب، من جهته، سيحتاج إلى تعزيز قدراته في الرصد والاستطلاع والإنذار المبكر، مع الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة الملكية. العقيدة الأمنية المغربية تعتمد على ردع أي تهديد على السيادة، مع مراعاة حسن الجوار. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر قد يأتي من بيئة إقليمية تتسم بتشابك المخاطر الأمنية، حيث تتداخل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب مع هشاشة بعض المسارات الحدودية. أي تدهور إضافي قد يفتح المجال أمام هذه الشبكات لاستغلال الفراغ الأمني، ما يزيد من تعقيد احتواء التوتر.

الجزائر، كطرف لا يمكن تجاهله، ستظل تلعب دورًا حاسمًا في هذه المعادلة. أي ترتيبات أمنية مستقبلية لن تكون مقتصرة على المغرب والبوليساريو، بل ستتفاعل مع السياق الإقليمي، حيث قد تتحول التوترات إلى مصادر جديدة للتوتر عبر الحدود.

### الحكم الذاتي: من الخيارات النهائية إلى المؤسسات المحلية
القرار الأممي 2797، الصادر في 2025، يمثل نقطة تحول في مرجعية التسوية. لم يعد الحديث عن استفتاء يتضمن خيارات نهائية مثل الاستقلال أو الاندماج، بل عن بناء مؤسسات محلية ذات صلاحيات واضحة، مع ضمانات دستورية وتوزيع للاختصاصات بين المستوى المحلي والسيادي. هذا التحول يوجه النقاش نحو مضمون سياسي قابل للتنفيذ، بعيدًا عن الخلافات النظرية التي طالما عاقت المفاوضات.

التركيز الآن على كيفية تشكيل هذه المؤسسات، وكيفية توزيع الاختصاصات بينها، وما يستلزمه من موارد مالية ومساءلة سياسية. هذا يعني أن نجاح الحل سيقاس بقدرته على توفير الاستقرار، وليس فقط بموافقة الأطراف على مبادئ نظرية. الملفات مثل الضمانات الدستورية، تمثيلية السكان، وموارد التنمية ستتخذ مكانًا مركزيًا في المفاوضات، حيث ستحدد ما إذا كان الحل قابلًا للتطبيق أم لا.

### الآليات الأممية: من الفشل إلى المراجعة
لم يكن قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2026 مفاجئًا، بل كان نتيجة لعقود من التعثر في المسار الأممي. منذ عام 1991، حاولت الأمم المتحدة مرارًا تنظيم استفتاء لتقرير المصير، لكن الخلاف حول الهيئة الناخبة ومعايير المشاركة حال دون تحقيق ذلك. حتى المبعوثون الشخصيون السابقون، مثل جيمس بيكر (2001 و2003)، لم يتمكنوا من تقديم حلول مقبولة، حيث رفض المغرب خيار الاستقلال، بينما لم تنجح الصيغ الانتقالية في إنتاج تسوية عملية.

في عام 2008، أشار بيتر فان فالسن (Peter VAN Walsum)، المبعوث الشخصي للأمين العام، إلى أن استقلال الصحراء غير ممكن في ظل موازين القوى الحالية، ودعا البوليساريو إلى التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية كمرجعية واقعية. هذا الموقف أثار ردود فعل حادة من الجزائر، التي اعتبرت أن فان فالسن تجاوز حدود مهمته. لاحقًا، في نوفمبر 2026، عاد جوليان هارستون (Julian Harston)، رئيس المينورسو السابق، إلى نفس الإشكال، مشيرًا إلى أن الاستفتاء لم يعد خيارًا ممكنًا، وأن استمرار البعثة بصيغتها الأصلية لم يعد له معنى.

ما يجمع بين هذين الموقفين هو مساءلة الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني. لم تكن المفاوضات مجرد نقاش نظري، بل كانت تعاني من عدم توافق بين الخيارات المطروحة وموازين القوى المحيطة بها. الآن، مع نهاية المينورسو، يتعين على الأطراف إعادة تقييم آليات التفاوض، سواء من خلال إعادة صياغة المبادرات السياسية أو البحث عن حلول بديلة تستوعب التحولات الجديدة.

### المشروعات الاستراتيجية: من السيادة إلى الربط الإقليمي
لا يقتصر تأثير نهاية المينورسو على المستوى السياسي والأمني فقط، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي والجيوسياسي. المغرب، منذ سنوات، كان يعمل على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى مركز استراتيجي في إفريقيا والأطلسي. مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، على سبيل المثال، ليس مجرد ميناء محلي، بل جزء من استراتيجية الربط بين غرب إفريقيا والأسواق الأطلسية والدولية. هذا المشروع، بالإضافة إلى مبادرة الربط بين دول الساحل والمحيط الأطلسي، سيوفر البنية التحتية اللازمة لتطوير المنطقة كمركز اقتصادي وخدماتي.

مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يضيف بعدًا طاقيًا إلى هذه الرؤية، حيث سيخلق مصالح مشتركة بين المغرب ودول الساحل، ما يزيد من استقرار المنطقة. هذه المشاريع لا تقتصر على التنمية المحلية، بل تربط الأقاليم الجنوبية بمصالح إقليمية وإقليمية أكبر، حيث ستتأثر استقرارها بقدرة المغرب على جذب الاستثمارات وتأمين شبكات النقل والطاقة.

### السيادة والحكم الذاتي: الطريق المقبل
الموقف المغربي واضح: السيادة الوطنية على الصحراء غير قابلة للتفاوض، والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد لإنهاء النزاع. المرحلة المقبلة ستتطلب بلورة ترتيبات سياسية ومؤسسية تنسق بين هذه المبادرة والمشروعات الاستراتيجية التي تعمل على تعزيز موقع الصحراء في الإقليم. هذا يعني أن التسوية لن تكون مجرد حل سياسي، بل ستحتاج إلى دعم اقتصادي وإقليمي مستدام.

ما يتعين عليه الأطراف الآن هو الانتقال من إدارة خلاف طال أمده إلى تسوية سياسية تستوعب التحولات الجديدة. هذا يعني أن المفاوضات لن تكون حول خيارات نظرية، بل حول تفاصيل عملية: كيف ستعمل المؤسسات المحلية؟ كيف ستوزع الاختصاصات؟ كيف ستتمكن المنطقة من الاستفادة من المشروعات الاستراتيجية؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الحل سيستمر، أم أنه سيبقى مجرد نص على الورق.

الأمم المتحدة تبدأ بتصفية بعثة المينورسو وإغلاق 13 موقعًا في الصحراء المغربية

إيفانكو يناقش مع المغرب تفاصيل إنهاء بعثة المينورسو

تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

المجلس الوطني للشمعة يدعو لتشبث تحالف اليسار قبل 2027
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 07:05

المجلس الوطني للشمعة يدعو لتشبث تحالف اليسار قبل 2027

خليل ولد اجدود: خروج المينورسو يعلن نهاية مشروع الانفصال عن المغرب
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 05:50

خليل ولد اجدود: خروج المينورسو يعلن نهاية مشروع الانفصال عن المغرب

عبقري: إجراءات جديدة لتشغيل الشباب وعقوبات للشركات المتأخرة
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 00:55

عبقري: إجراءات جديدة لتشغيل الشباب وعقوبات للشركات المتأخرة

وزارة التجهيز والماء والغابات تكشف حصيلة تحديد الملك العام البحري بـ82% والمينائي بـ76%
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 00:40

وزارة التجهيز والماء والغابات تكشف حصيلة تحديد الملك العام البحري بـ82% والمينائي بـ76%