
في وقت لم تُفتح فيه بعد أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بشكل رسمي، بدأت دائرة برشيد تعيش على وقع حركية سياسية متسارعة يصفها متتبعون بأنها تحمل ملامح حملة انتخابية مبكرة، عنوانها الأبرز: كثافة اللقاءات، تعدد المبادرات الاجتماعية، وعودة منطق الاصطفاف السياسي إلى الواجهة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أصبح الحديث داخل المجالس المحلية والأوساط العامة يدور حول أنشطة ولقاءات متكررة، بعضها يتخذ شكل موائد جماعية أو تجمعات ذات حضور لافت، تقف وراءها أسماء يجري تداولها باعتبارها مشاريع مرشحين للاستحقاقات البرلمانية المقبلة. وهي تحركات، وإن كانت في أصلها لا تخرج عن الحق المشروع في التواصل السياسي، إلا أنها تثير أسئلة عندما تتحول – في نظر جزء من الرأي العام – إلى رسائل انتخابية سابقة لأوانها.
لكن النقاش الحقيقي لا يقف عند حدود توقيت التحركات أو حجم الإنفاق، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة العلاقة بين المنتخب والناخب.
ففي خضم هذا المشهد، تتردد داخل النقاش المحلي معطيات غير مؤكدة يتم تداولها حول محاولات استقطاب أو بناء تحالفات مبكرة، مع حديث عن أرقام وممارسات تُنسب إلى كواليس المشهد السياسي. وهي معطيات تبقى بحاجة إلى أدلة موثقة وإثباتات واضحة قبل التعامل معها كوقائع ثابتة أو نسبها لأي جهة بعينها.
غير أن ما يفرض نفسه بقوة هو سؤال المبدأ:
هل المنتخب يملك أصوات المواطنين الذين صوتوا له؟
في الديمقراطية، المنتخب لا يصبح مالكاً للأصوات بمجرد فوزه، بل حاملاً لأمانة التمثيل. المواطن حين يمنح صوته، يمنحه من أجل الدفاع عن مصالحه، لا من أجل أن يتحول إلى رقم داخل حسابات النفوذ أو ورقة تفاوض في سباق سياسي جديد.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع داخل الرأي العام:
هل يحق لأي منتخب أن يقدم نفسه باعتباره صاحب كتلة انتخابية جاهزة يمكن توجيهها أو نقلها أو التفاوض باسمها لصالح مرشح معين؟
الجواب الديمقراطي يبدو واضحاً: الناخب ليس ملكاً لأحد، والإرادة الانتخابية لا تُباع ولا تُشترى ولا تُورث سياسياً. التأثير السياسي أمر مشروع، أما اعتبار أصوات المواطنين رصيداً شخصياً قابلاً للتصرف فيه فذلك يفتح نقاشاً أخلاقياً وسياسياً أوسع حول معنى التفويض الذي يمنحه المواطن لصندوق الاقتراع.
إن ما تحتاجه برشيد اليوم ليس سباق الولائم، ولا استعراض القدرة على جمع الأنصار، بل تنافس حقيقي حول المشاريع والبرامج والحلول القادرة على الاستجابة لانتظارات الساكنة.
فالسياسة، في جوهرها، ليست اختباراً لمن يملك شبكة أوسع من العلاقات، بل امتحان لمن يستطيع أن يحافظ على ثقة الناس دون أن يعتبرها ملكية خاصة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه أمام كل مواطن:
حين منحت صوتك، هل منحته لمن يمثلك… أم لمن يعتقد أنه يملك حق التصرف فيه؟




تعليقات
0