
في الانتخابات، تُكتب الوعود بالحبر، وتُوزَّع البرامج على الورق، وتعلو الشعارات في المنصات. لكن بعد انتهاء الصناديق من الكلام، يبدأ امتحان آخر أكثر قسوة: ماذا بقي في الشارع؟
في مقاطعة أنفا، يقود البحث عن الجواب إلى اسم محمد شباك، رئيس مجلس المقاطعة والنائب البرلماني عن دائرة الدار البيضاء-أنفا باسم حزب التجمع الوطني للأحرار. غير أن السؤال هنا ليس: هل نجح الرجل سياسيا؟ بل سؤال أكثر دقة: ماذا يمكن أن يثبت ميدانيا من حصيلته؟
من بوركون والعنق وبدر، إلى عين الذئاب والهجاجمة وغيرها من مناطق المقاطعة، تتوزع مجموعة من الأوراش التي أعادت ترتيب جزء من المشهد الحضري: طرق أعيد تأهيلها، فضاءات عمومية جرى الاشتغال عليها، حدائق خضعت للتهيئة، ملاعب للقرب، وتدخلات مست جوانب من السلامة الطرقية وتجهيز الأحياء.
لكن تحويل هذه المعطيات إلى حصيلة سياسية لا ينبغي أن يتم بمجرد تعداد المشاريع. فالصحافة الجادة لا تكتفي بالسؤال: ماذا أُنجز؟ وإنما تضيف إليه: من أنجز؟ كيف أُنجز؟ ما كلفته؟ ومن استفاد منه؟ وهل كان ضمن اختصاص المقاطعة أم نتيجة تدخل مشترك مع مؤسسات أخرى؟
وهنا تبدأ القراءة الحقيقية.
المعطيات المنشورة عبر البوابة الرسمية لمقاطعة أنفا توثق عددا من عمليات إعادة التأهيل، من بينها أزقة إقامة صوفيا بمنطقة سيدي عبد الرحمان وأحياء العنق والتساهل، إلى جانب تدخلات مرتبطة بالمساحات الخضراء والطرق والسلامة الطرقية.
وفي تفاصيل تبدو صغيرة بالنسبة إلى لغة السياسة الكبيرة، توجد أحيانا الأشياء التي تهم المواطن أكثر: ممر للراجلين، صباغة طريق، إشارة ضوئية، حاجز للسرعة، إصلاح شارع أو إعادة ترتيب فضاء عمومي.
فالمواطن لا يعيش داخل محضر اجتماع المجلس، بل داخل حي. ولا يقيس جودة التدبير بعدد الخطب، وإنما بما يراه حين يغادر منزله صباحا.
لكن هل تكفي المشاريع وحدها للحكم على تجربة شباك؟
الجواب المهني يقتضي ألا تكون الحصيلة مجرد لائحة إنجازات، بل أن تُقرأ أيضا في سياق الاختصاصات والإمكانات والشراكات. فمقاطعة أنفا، مثل باقي المقاطعات، لا تتحرك في فراغ إداري، ولا تملك وحدها مفاتيح كل الملفات التي تؤثر في الحياة اليومية للدار البيضاء.
وهذا التفصيل مهم، لأن نسب كل تغيير إلى مسؤول واحد قد يكون سياسيا مفيدا، لكنه صحفيا يحتاج إلى تدقيق.
في المقابل، فإن ما يصعب تجاهله هو الحضور الميداني الذي أصبح جزءا من صورة الرجل لدى عدد من سكان المنطقة وفاعلين جمعويين. شهادات استقتها «الألباب 360» في مناسبات سابقة تحدثت عن مسؤول يخصص وقتا للاستماع إلى المواطنين والتفاعل مع بعض مطالبهم.
وإذا كانت الشهادة الفردية لا تكفي لبناء حكم نهائي، فإن تكرارها يصبح معطى يستحق التوقف عنده، خصوصا عندما يتقاطع مع وقائع وأوراش يمكن معاينتها على الأرض.
من الحديقة إلى الملعب.. سياسة القرب تحت الاختبار
الحدائق والملاعب ليست تفاصيل هامشية في مدينة مكتظة مثل الدار البيضاء. إنها جزء من سؤال أوسع يتعلق بجودة الحياة.
حديقة فال أنفا بشارع إدريس السلاوي، مثلا، شهدت تدخلات لإعادة التهيئة والتجهيز، بما في ذلك مرافق رياضية. كما جرى الاشتغال على فضاءات أخرى، من بينها حديقة بحي التساهل.
المغزى هنا لا يرتبط بالحديقة باعتبارها مساحة خضراء فقط، وإنما بطريقة تحويل الفضاء العمومي من مكان عبور إلى مكان للعيش والرياضة واللقاء.
والأمر نفسه ينطبق على ملاعب القرب، التي تحمل بعدا يتجاوز الإسمنت والعشب الاصطناعي. فكل ملعب قريب من أبناء الحي هو أيضا محاولة لاستعادة جزء من المجال العام لصالح الشباب.
شباك.. بين صورة المسؤول وحساب الحصيلة
سياسيا، لا يمكن فصل هذه الحصيلة عن موقع محمد شباك داخل المشهد الانتخابي المحلي. فهو يجمع بين مسؤولية تدبير مقاطعة أنفا والتمثيلية البرلمانية عن الدائرة نفسها، ما يجعل تقييم تجربته أكثر تعقيدا من تقييم مسؤول يشغل موقعا واحدا.
فالبرلماني يُحاسب على دوره التشريعي والرقابي والتمثيلي، بينما رئيس المقاطعة يُحاسب على التدبير المحلي والخدمات والقرب. وبين الموقعين تتقاطع اختصاصات متعددة ومتدخلون مختلفون.
لذلك، فإن السؤال الأكثر إنصافا ليس: هل صنع شباك كل هذه التحولات؟
بل: ما الذي يمكن نسبته إلى قرارات المجلس الذي يرأسه؟ وما الذي تحقق عبر شراكات مؤسساتية؟ وما الذي كان نتيجة برامج سابقة أو تدخلات لجهات أخرى؟
هذا النوع من الأسئلة لا ينتقص من الحصيلة، بل يمنحها قيمتها الحقيقية.
الميدان.. الوثيقة التي لا تحتاج إلى مكبر صوت
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت السياسة المحلية أكثر ارتباطا بالصورة: مسؤول وسط المواطنين، ورش مفتوح، حديقة جديدة، شارع معاد تأهيله، وملعب للقرب.
لكن الصورة، مهما كانت قوية، تظل لحظة.
أما الحصيلة، فتحتاج إلى وثائق وأرقام وتتبع زمني ومقارنة بين ما كان قائما وما أصبح عليه الواقع.
ومن هنا، فإن تجربة محمد شباك تستحق أن تُقرأ بعيدا عن ثنائية المدح والانتقاد. فأنفا ليست منطقة بلا مشاكل، والمشاريع المنجزة لا تعني أن كل الانتظارات تحققت، كما أن وجود نواقص لا يلغي بالضرورة ما تحقق.
الحقيقة، كما هي دائما في الصحافة، تقع في المنطقة الواقعة بين العنوان الكبير والتفاصيل الصغيرة.
الانتخابات تقترب.. والحصيلة تدخل غرفة الامتحان
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تصبح كل حصيلة قابلة لإعادة القراءة.
المواطن الذي سيقف أمام صندوق الاقتراع لن يحمل معه بالضرورة تقريرا إداريا، لكنه يحمل ذاكرة الشارع: طريقا أصلحت، حديقة تغيرت، ملعبا استفاد منه أبناؤه، خدمة تحسنت، أو مشكلة ظلت تراوح مكانها.
وهنا تكمن قوة الحصيلة وضعفها في الوقت نفسه.
فالسياسي يستطيع أن يشرح ما أنجزه، وخصومه يستطيعون التشكيك فيه، لكن المواطن يملك سلاحا أكثر بساطة: المقارنة بين الأمس واليوم.
وبالنسبة إلى محمد شباك، فإن المعطيات الميدانية المتاحة تضع أمام الرأي العام تجربة محلية يمكن مناقشتها وقياسها، لا مجرد صورة انتخابية عابرة.
أما الحكم النهائي، فلا ينبغي أن تصدره الحملات الانتخابية، ولا صفحات التواصل الاجتماعي، ولا لغة المديح السياسي.
الحكم الحقيقي يظل في أنفا نفسها: في الشارع، في الحي، في الحديقة، في الملعب، وفي ذاكرة المواطن.
وهذه هي الزاوية التي اختارت «الألباب 360» أن تنظر منها إلى تجربة محمد شباك: لا باعتبارها قصة نجاح مكتملة، ولا باعتبارها مادة للمواجهة السياسية، وإنما باعتبارها حصيلة تستحق التفكيك، والتدقيق، ووضعها أمام المواطن كما هي؛ بما لها وما عليها.
ففي النهاية، السياسة المحلية لا تُقاس بما يقوله المسؤول عن نفسه، وإنما بما يستطيع المواطن أن يراه دون أن يحتاج أحد إلى أن يشرح




تعليقات
0