المغرب يستعد استراتيجيًا وسط تحولات إقليمية ودولية

المغرب يستعد استراتيجيًا وسط تحولات إقليمية ودولية
رضوان منفلوطي الأحد 1 نوفمبر 2026 - 00:20

المغرب يستعد استراتيجيًا وسط تحولات إقليمية ودولية

لم تزل موسكو، عاصمة روسيا، تعكس مفارقة حادة بين الحياة اليومية الهادئة والمخاطر العسكرية المتصاعدة. خلال زيارتي الأخيرة للمدينة، التي امتدت نحو أسبوع في إطار تغطية القمة الروسية الإفريقية، لم يكن ما جذب انتباهي فقط النقاشات السياسية، بل كيف يمكن للعالم أن يعيش على إيقاع الحروب والتهديدات العسكرية دون أن يتوقف الزمن في شوارع المدن. في وسط موسكو، تبدو الحياة طبيعية: المقاهي والمطاعم مفتوحة، والشوارع مكتظة بالناس الذين يمارسون أنشطتهم العادية، بينما خلف هذه الصورة السطحية، تظل حرب أوكرانيا مستمرة منذ سنوات، وتنتشر التهديدات الأمنية حتى حدود العاصمة نفسها. التأخر الذي واجهته في رحلاتي الجوية، الذي امتد إلى ست ساعات، هو مثال واضح على كيف يمكن للتداعيات العسكرية أن تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. اضطرابات طالت مئات الرحلات الجوية، وإجراءات احترازية مرتبطة بتهديدات الطائرات المسيّرة وإغلاق المطارات عند الضرورة، جعلت من السفر نفسه تجربة تعكس التوتر المتصاعد. هذه المفارقة، بين المدينة الهادئة والمخاطر العسكرية الحاضرة، هي ما يميز موسكو في هذه المرحلة. أبرز تصريح في هذا السياق جاء من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أكد من موسكو يوم 29 أكتوبر أن روسيا مستعدة لحرب مع أوروبا، لكنها لا تريدها. وأضاف بوتين أن الأوروبيين الذين يتحدثون عن استعدادهم لمواجهة عسكرية بحلول سنة 2030 يجب أن يدركوا أن أي تصعيد واسع لن يكون فيه منتصرون. هذه التصريحات، التي صدرت عن رئيس دولة نووية تخوض حرباً منذ سنوات، تأتي في سياق توتر متزايد بين موسكو والعواصم الأوروبية، وتبرز خطورة المرحلة التي يعيشها العالم. المشهد نفسه يتكرر في مناطق أخرى، مثل الشرق الأوسط. في دول الخليج، مثل دبي والدوحة، استمرت الحياة الطبيعية رغم التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة، بينما واجهت السعودية تهديدات مرتبطة بالهجمات الحوثية. وحتى خلال المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لم تتوقف الحياة بصورة شاملة في عدد من المدن الخليجية. هذا يعكس كيف يمكن للصراعات العسكرية أن تظل في الخلفية بينما تستمر الحياة اليومية دون انقطاع. في أوروبا، أعادت الدول ترتيب أولوياتها الدفاعية بعد استنزاف كبير بسبب حرب أوكرانيا. التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة غيّر قواعد الاشتباك، وجعل الحروب أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والقدرات الاستخباراتية. هذا دفع دولاً أوروبية إلى تخزين المؤونة والاستعداد لحالات الطوارئ وإعادة تهيئة منشآت للحماية والإيواء. في هذا السياق الدولي المضطرب، لا يمكن قراءة التحولات التي يعرفها المغرب بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي. قرار مجلس الأمن الأخير، الذي استخدمت فيه روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، ثم فشل المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات الكافية، بالإضافة إلى بلاغ الديوان الملكي الذي أعلن نهاية مرحلة من المسلسل الأممي بشأن الصحراء المغربية، كلها تطورات تضع الملف أمام منعطف استراتيجي جديد. المغرب لم يعد ينظر إلى المرحلة باعتبارها مجرد امتداد للمسار السابق، بل باعتبارها فرصة لإنهاء حالة الانتظار والتجاذبات التي رافقت الملف لعقود. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى مرحلة جديدة يفرض الاستعداد لكل الاحتمالات، خصوصاً أن انتهاء المسار الأممي بصيغته السابقة لا يعني بالضرورة اختفاء التوترات الميدانية. من هنا تأتي أهمية اليقظة العسكرية وتعزيز الحضور الدفاعي في الأقاليم الجنوبية. احتمال لجوء جبهة البوليساريو إلى مناورات أو استفزازات ميدانية في سياق التحولات الجديدة يظل قائمًا، كما أن التوتر الإقليمي مع الجزائر يفرض على المغرب التعامل مع محيطه بمنطق الحذر والاستعداد. الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 تعكس هذا الاستعداد. فقد حددت النفقات المأذونة بالالتزام بها مسبقًا 190.5 مليار درهم لاقتناء معدات القوات المسلحة الملكية وإصلاحها ودعم تطوير صناعة الدفاع، مقابل 157.17 مليار درهم في قانون المالية 2026 و133.45 مليار درهم في 2025. هذه الأرقام، التي تظهر منحى تصاعديًا واضحًا، تعكس أن الأمن والدفاع أصبحا من الرهانات الاستراتيجية الكبرى للمملكة. خلال وجودي في موسكو، أجرت اتصالات ودردشات مع الجانب الروسي بشأن التصويت الأخير في مجلس الأمن. برزت مؤشرات تفيد بوجود تواصل مسبق بين موسكو والرباط بشأن الخطوة الروسية، مع التأكيد على أهمية العلاقات بين الرئيس فلاديمير بوتين والملك محمد السادس. نشر وزارة الخارجية الروسية صورة اللقاء بين ناصر بوريطة وسيرغي لافروف قبل التصويت بيومين، والتي عكست أجواء ودية، يطرح تساؤلات حول طبيعة التنسيق والتفاهمات التي سبقت التصويت. هذه المعطيات تستحق القراءة، وإن كان من غير الممكن اعتبار الصورة وحدها دليلًا قاطعًا على وجود اتفاق مسبق بشأن الفيتو. ما يجري اليوم يتجاوز ملف الصحراء المغربية فقط. العالم يعيد ترتيب موازين القوة، ويستعد الجميع لأسوأ السيناريوهات، حتى عندما تبدو الحياة في شوارعهم طبيعية. المغرب لا يبحث عن الحرب، لكنه يدرك أن حماية مكاسبه السيادية لا تتحقق بالرهان على حسن نوايا الآخرين. في مرحلة تتراجع فيها ضمانات الاستقرار الدولي، يصبح الاستعداد لكل الاحتمالات شرطًا أساسيًا لحماية الاستقرار نفسه.

تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من قالب الفابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الفيتو الروسي يعطل تنفيذ قرار 2797 ويهدد بعثة المينورسو في الصحراء المغربية
الأحد 1 نوفمبر 2026 - 05:50

الفيتو الروسي يعطل تنفيذ قرار 2797 ويهدد بعثة المينورسو في الصحراء المغربية

الفيتو الروسي يثبط مشروع القرار الأمريكي.. الحسيني يفسر تأثير 2797 على الحكم الذاتي
الأحد 1 نوفمبر 2026 - 02:30

الفيتو الروسي يثبط مشروع القرار الأمريكي.. الحسيني يفسر تأثير 2797 على الحكم الذاتي

المغرب يحتفل بعيد الوحدة الأولى.. تحولات مفصلية في ملف الصحراء
الأحد 1 نوفمبر 2026 - 02:00

المغرب يحتفل بعيد الوحدة الأولى.. تحولات مفصلية في ملف الصحراء

المغرب يستغل الفيتو الروسي لتغيير قواعد ملف الصحراء
الأحد 1 نوفمبر 2026 - 01:25

المغرب يستغل الفيتو الروسي لتغيير قواعد ملف الصحراء