انسحاب المينورسو: مصير المنطقة العازلة في الصحراء المغربية
انسحاب بعثة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في الصحراء الغربية (المينورسو) يثير تساؤلات حادة حول مصير المنطقة العازلة، تلك الشريط الجغرافي الذي كان مسرحًا لعمليات إرهابية ضد المغرب منذ عقود. المنطقة، التي تمتد على خمسة كيلومترات شرق الجدار الرملي، كانت محمية بموجب اتفاقيات عسكرية موقعة في 24 ديسمبر 1997 بين جبهة البوليساريو وبعثة الأمم المتحدة، ثم بين المغرب والمينورسو في 22 يناير 1998. لكن خرقات متكررة للبوليساريو لقيود المنطقة، بما في ذلك إطلاق النار داخل حدودها، جعلت من انسحاب المينورسو نقطة تحول قد تتغير معها موازين القوى في المنطقة. المنطقة العازلة، التي كانت تهدف إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار، تخضع لقيود صارمة تمنع دخول القوات أو المعدات العسكرية إليها، سواء عبر البر أو الجو. كما تحظر إطلاق النار داخلها أو فوقها، لكن جبهة البوليساريو لم تتوقف عن انتهاك هذه القواعد في عدة مناسبات، ما أثار مخاوف من تدهور الوضع الأمني بعد انسحاب المينورسو. الآن، مع غياب المراقب الأممي، تبرز أسئلة حول ما إذا كانت المنطقة ستظل تحت السيطرة أم أنها ستتحول إلى ساحة جديدة للصراع. من بين المتحدثين الذين تناولوا هذا الموضوع، أشار رمضان مسعود العربي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس)، إلى أن استخدام روسيا حق النقض في مجلس الأمن يمثل “عملية دفن لجبهة البوليساريو”، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة لم تكن ضمن حساباتها. وأكد مسعود أن رفض البوليساريو والجزائر لمقترح الحكم الذاتي، الذي يحظى بدعم دولي واسع، يفتح أمام المغرب فرصًا لاستعادة أراضيه في المناطق العازلة مثل تيفاريتي وبير لحلو. وأشار إلى أن بقاء عناصر البوليساريو داخل الأراضي الجزائرية يجعل الجزائر مسؤولية مباشرة عن أي نشاط إرهابي ينطلق منها، ما قد يعرضها لانتقادات دولية حادة. لكن ما يزال هناك ما هو غير محسوم. فبينما يرى بعض المتخصصين أن المغرب قد يستجيب باستهدافات عسكرية في حال استمرار الاستفزازات، فإن آخرين يحذرون من أن أي رد فعل قد يعجل بتصنيف البوليساريو ككيان إرهابي دولي. السالك رحال، باحث متخصص في ملف الصحراء، أوضح أن المنطقة العازلة كانت ضمن اتفاقيات 1991 تحت رعاية أممية، لكن البوليساريو أعلنت تحللها منها بعد أحداث معبر الكركرات في نوفمبر 2020 دون انتظار تقارير المينورسو أو مجلس الأمن. وأشار إلى أن مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة يصفون العمليات الحالية بـ”الأعمال العدائية”، وليس حربًا شاملة، لكن انسحاب المينورسو قد يغير من ديناميكيات الردود الميدانية. مع استمرار البوليساريو في ادعاء خوض حرب ضد المغرب، بينما ترفض القرارات الأممية الداعية إلى وقف الاستفزازات، يزداد خطر التصعيد. المغرب، وفق رحال، لن يقف مكتوف الأيدي في حال تهديد أمن مدنه، حيث قد يتدخل عسكريًا لإبعاد الخطر، كما حدث في أحداث السمارة، حيث كان استهداف المدن محظورًا دوليًا. ومع تفوق المغرب العسكري والتكنولوجي، الذي يشمل تقنيات الجيل الخامس، فإن موازين القوى تبدو محسومة لصالحه. لكن بوليساريو، حسبما أشار الباحث، لا تتخذ قراراتها بشكل مستقل، بل تخضع لإملاءات الجزائر، التي تستخدم الملف الصحراوي كوسيلة ضغط في صراعها الإقليمي مع المغرب. الواقع الميداني منذ 2020 أثبت أن أي استفزاز سيؤدي إلى ردود فعل حاسمة، حيث أسفرت المناوشات عن خسائر بشرية كبيرة وفقدان قيادات بارزة. الآن، مع انسحاب المينورسو، تزداد أهمية التنبؤ بردود الفعل، خاصة مع استمرار البوليساريو في ادعاء خوض الحرب. لكن ما يزال غير واضح ما إذا كانت الجزائر ستستمر في دعمها، أو إذا كانت ستتخلى عنها لتجنب التبعات الدولية. واحدة من الأمور المؤكدة هي أن المغرب لن يتخلى عن حقوقه المشروعة، بينما تظل المنطقة العازلة في قلب هذه المعادلة، حيث قد يتغير مصيرها بشكل جذري في الأيام المقبلة.





تعليقات
0