
في أجواء رسمية تكرّس هيبة المؤسسة القضائية وتؤكد انخراطها في خدمة العدالة، احتضنت محكمة الاستئناف بسطات، صباح يوم امس الاربعاء 28 يناير 2026، مراسم افتتاح السنة القضائية الجديدة، تحت شعار دالّ: «القضاء في خدمة المواطن»، في محطة سنوية تشكّل لحظة تقييم ومساءلة، واستشراف لرهانات المرحلة المقبلة.
وشهد هذا الحفل القضائي البارز حضور عامل إقليم سطات وعامل إقليم برشيد، إلى جانب وفد وازن من المسؤولين القضائيين والإداريين، وممثلي السلطات المحلية، وهيئات المحامين، وفاعلين من أسرة العدالة، في تجسيد للتكامل المؤسساتي الذي تتطلبه عدالة ناجعة وفعالة.

وخلال الكلمة التي ألقيت بالمناسبة، جرى التأكيد على مركزية تخليق المرفق القضائي وتعزيز جسور الثقة بين المواطن ومؤسسة القضاء، مع التشديد على مواصلة الجهود الرامية إلى تحسين جودة الخدمات القضائية، وتسريع وتيرة البت في القضايا، بما ينسجم مع تطلعات المتقاضين ومبادئ المحاكمة العادلة.
ولم تخلُ الجلسة من لحظة وفاء واعتراف، حيث جرى توشيح القاضي أبو الفتح، تقديرًا لما أسداه من خدمات جليلة ومسار مهني حافل بالعطاء داخل أسرة القضاء، في مشهد إنساني مؤثر عكس ثقافة الاعتراف بالكفاءات القضائية وترسيخ قيم التحفيز داخل المنظومة.

ويأتي افتتاح السنة القضائية الجديدة في سياق وطني متواصل يروم ترسيخ قضاء مستقل وفعّال، قريب من المواطن، وقادر على مواكبة التحولات المجتمعية وتعزيز دولة الحق والقانون، انسجامًا مع التوجيهات الكبرى لإصلاح منظومة العدالة.
وشكّلت الجلسة الرسمية مناسبة لاستعراض حصيلة النشاط القضائي والإداري لمحكمة الاستئناف بسطات والمحاكم الابتدائية التابعة لها بكل من سطات، برشيد، وابن أحمد، خلال سنة 2025، إلى جانب تسليط الضوء على التحديات والرهانات المطروحة خلال السنة القضائية الجديدة.
وبحسب المعطيات الرسمية المقدمة، فقد بلغ عدد القضايا المسجلة خلال سنة 2025 ما مجموعه 127.157 قضية، منها 49.631 قضية مدنية و77.526 قضية زجرية، فيما بلغ مجموع القضايا الرائجة، بعد إضافة المخلف من سنة 2024، حوالي 144.515 قضية.
وسجلت محاكم الدائرة القضائية بسطات إنجازًا لافتًا، حيث تم البت في 129.881 قضية خلال سنة 2025، أي بنسبة 102.14% من القضايا المسجلة، و89.87% من القضايا الرائجة، وهو ما يعكس مجهودًا استثنائيًا في تصفية الملفات وتسريع وتيرة البت.

أما بخصوص القضايا المتبقية، فقد جرى تقليص المخلف إلى 14.634 قضية فقط، بانخفاض قدره 2724 قضية مقارنة مع سنة 2024، التي سجلت مخلفًا بلغ 17.358 قضية.
وعلى مستوى محكمة الاستئناف بسطات، تم البت في حوالي 19.820 قضية خلال سنة 2025، منها 4572 قضية مدنية و15.248 قضية زجرية، بنسبة إنجاز فاقت 105%، مع تقليص المخلف إلى 2903 قضايا فقط. كما حققت المحكمة الابتدائية بسطات نتائج إيجابية ببتها في 35.904 قضية، مقابل 38.472 قضية بالمحكمة الابتدائية ببرشيد، و15.063 قضية بالمحكمة الابتدائية بابن أحمد، مع تسجيل تراجع ملحوظ في عدد الملفات المزمنة.
وفي ما يتعلق بجودة الأحكام، أظهرت الإحصائيات أن نسبة القرارات المنقوضة من طرف محكمة النقض ظلت ضعيفة جدًا، إذ لم تتجاوز 0.82% في المادة المدنية و0.36% في المادة الزجرية، وهو ما اعتُبر مؤشرًا قويًا على سلامة التعليل القانوني وجودة الاجتهاد القضائي، وترجمة لثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية.
وأكدت الرئاسة الأولى للمحكمة أن سنة 2025 تميزت بدخول قوانين محورية حيز التنفيذ، من بينها القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية والقانون رقم 43.22 الخاص بالعقوبات البديلة، واللذان يعززان ضمانات المحاكمة العادلة، ويهدفان إلى تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وترسيخ البعد الإصلاحي للعقوبة.

كما جرى التذكير بمرور خمس سنوات على تنزيل المخطط الاستراتيجي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (2021-2026)، وما رافقه من تحديد آجال استرشادية للبت في القضايا، واعتماد مدونة الأخلاقيات القضائية كآلية لتعزيز استقلال القضاء ونزاهته.
وفي أفق سنة 2026، تم الإعلان عن مجموعة من الأهداف الطموحة، من بينها تقليص آجال البت، تحسين جودة التبليغ، الرفع من النجاعة القضائية، اعتماد الرقمنة والمسح الضوئي للملفات القضائية، إلى جانب إيلاء أهمية خاصة لقضايا الاعتقال الاحتياطي والملفات ذات الطابع الاجتماعي.
واختُتمت الجلسة بالتنويه بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها القضاة وموظفو كتابة الضبط، وهيئات المحامين، ومختلف المتدخلين في منظومة العدالة، مع التأكيد على أن الرهان الأساسي يظل هو جعل القضاء في خدمة المواطن، قولًا وفعلًا.




تعليقات
0