الرباط وبرازيليا يثبان شراكة استراتيجية بعد فوز لولا برئاسة البرازيل
فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا برئاسة البرازيل في أكتوبر 2026، بعد انتصار ساحق على منافسه المحافظ فلافيو بولسونارو، يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين برازيليا والرباط، حيث تتجه الأنظار نحو استقرار شراكة قائمة على مصالح مشتركة تتجاوز الانتماءات السياسية. مع ولاية رابعة غير مسبوقة، سيبحث الرئيس البرازيلي الجديد عن شراكات استراتيجية خارج القارة الأمريكية، ومن أبرزها العلاقات مع المغرب، التي لم تشهد قط انقطاعا في التعاون، بل شهدت تطورا متصاعدا منذ عقود.
لا تقف هذه العلاقات عند حدود الاتفاقيات الثنائية، بل تمتد إلى قلب الاقتصادين الوطنيين، حيث أصبح الأمن الغذائي المحور الرئيسي للشراكة. المغرب، باحتياطياته الفوسفاطية الهائلة، أصبح شريكا حيفيا للبرازيل في تأمين احتياجاتها الزراعية، بينما تزوّد الأخيرة المملكة بالبروتينات الحيوانية اللازمة لتخفيف الضغط على قطيعها المحلي. في عام 2024، بلغ التبادل التجاري بين البلدين 2.8 مليار دولار، موزعا بالتساوي بين الصادرات والموارد، مع ارتفاع وتيرة الواردات البرازيلية من اللحوم الحمراء بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.
من الناحية السياسية، لم تتزعزع مواقف برازيليا تجاه قضية الصحراء المغربية، حيث ظل موقفها ثابتا عبر حكومات يمينية ويسارية. برازيليا، التي لم تعترف قط بالكيان الوهمي، أكدت على دعمها لمبادرة الحكم الذاتي كطريق لتسوية النزاع على أساس القانون الدولي. هذه الاستمرارية السياسية تعكس عمق العلاقات، التي لم تتأثر بالتحولات الحزبية، بل شهدت تعزيزا خلال زيارات رسمية متكررة، مثل زيارة الملك محمد السادس إلى برازيليا عام 2004، أو الاجتماعات بين المسؤولين المغاربة والبرازيليين في الرباط عام 2024.
على صعيد الاستثمار، تمثل مذكرة تفاهم وقعت في سبتمبر 2024 بين شركة أو سي بي نيوترا كروبس (فرع المجموعة الشريفة للفوسفاط) ووزارة الزراعة البرازيلية خطوة حاسمة. هذه المذكرة، التي تحدد احتياجات برازيليا من الأسمدة الفوسفاطية بقيمة 3.8 مليون طن بين 2026 و2027، تغطي نحو 76% من العجز المتوقع في الموسم القادم. هذا الاتفاق يعكس التزام المغرب بتأمين احتياجات البرازيل الزراعية، بينما تبحث الأخيرة في المغرب شريكا استراتيجيا لتخفيف الضغط على قطيعها المحلي من خلال استيراد الأبقار المخصصة للذبح.
لا تقتصر أهمية هذه الشراكة على المستوى الثنائي، بل تمتد إلى منابر متعددة الأطراف. المغرب والبرازيل، كقوتين صاعدتين في الجنوب، يشتركان في ثقلهما في القارة الإفريقية، حيث يمكنهما تعزيز التنسيق في القضايا الاقتصادية والتجارية. قمة دول أمريكا الجنوبية والدول الإفريقية تعد منصة مثالية لتضافر الجهود، بينما تتيح المبادرة الأطلسية للمغرب لبرازيليا الوصول إلى الأسواق الإفريقية الصاعدة عبر الموانئ المغربية. هذا التقارب يعزز من دور البلدين في صياغة القرار الدولي، خاصة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
من منظور تاريخي، ترسم هذه العلاقات صورة واضحة: برازيليا والرباط لا يتحركان وفق حسابات حزبية، بل وفق منطق المصالح المشتركة. منذ تسعينيات القرن الماضي، شهدت الاتفاقيات الثنائية تطورا متصاعدا، حيث أصبحت العلاقات اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه. حتى الانتماء السياسي للرئيس لولا إلى معسكر اليسار لم يغير من طبيعة هذه الروابط، التي ظلت مستقرة عبر عقود من التحولات الحزبية.
في ختام الأمر، يبدو أن ولاية لولا الرابعة ليست مجرد امتداد لحكومات سابقة، بل هي تأكيد على استراتيجية طويلة الأمد بين بلدين يربطهما أكثر من مجرد اتفاقيات: منطق المصالح قبل الانتماءات. هذا الثبات يعكس قوة العلاقات التي لم تتزعزع عبر عقود، بل شهدت تطورا متصاعدا في جميع المجالات، من الأمن الغذائي إلى الدبلوماسية الدولية.
هاري كين يفوز بالكرة الذهبية 2026 هدافاً بالفطرة
البوليساريو تطلق احتجاجات رمزية داخل تندوف ضد مسودة واشنطن بشأن الصحراء





تعليقات
0