التيارات الشعبوية بالمغرب تعاني من تدهور فعالية الخطاب السياسي
كان من المتوقع أن تظل الشعبوية ظاهرة مرورية، تبرز في فترات الأزمات ثم تخفت مع استقرار الأوضاع. لكن ما جرى في السنوات الأخيرة هو تصاعد مستمر لخطابات الشعبوية، ليس فقط في المغرب، بل عبر العالم، ما جعلها ظاهرة مستمرة لا تتوقف عند حدود الأزمات المؤقتة. هذه الظاهرة، التي تتغذى على عدم الثقة في النخب التقليدية، لا تقتصر على ردود فعل عاطفية، بل تتطور إلى آلية سياسية جديدة، تغيّر من طبيعة المشاركة العامة وتحدّ من مؤسسات الوساطة التي كانت تربط بين السلطة والمواطنين.
الشعبيّة ليست مجرد خطاب، بل نظام فكري وممارسات اجتماعية تعتمد على تبسيط المشاكل المعقدة إلى ثنائيات بسيطة: الخير والشر، النقاء والفساد، المنقذ والمفسد. هذه الخطابات، التي تفتقر إلى أساس نظري متجانس، تعتمد على فنون الديماغوجية، حيث يتمّ انتزاع قيمة الفكر والعلم لصالح أفكار خرافية وحشود جماهيرية. على عكس التيارات الليبرالية أو الاشتراكية، التي تستند إلى نظريات اقتصادية وسياسية محددة، تفتقر الشعبوية إلى إطار نظري متكامل، مما يجعلها أكثر انفتاحًا على التبدلات العفوية والتحالفات المؤقتة.
في بعض الأوجه، تُرى الشعبوية كردّ فعل طبيعي ضدّ الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث تدعم توسيع دائرة المشاركة السياسية وتستخدم أساليب بسيطة للتواصل مع الجماهير. لكن في واقع الأمر، تُعتبر هذه الخطابات مجرد أصوات مرحلية، تبرز في فترات الأزمات وتكريسًا لشخصنة الأحزاب السياسية. بدلاً من تعزيز العمل المؤسسي، تفرغ الشعبوية الممارسة السياسية من أهميتها، وتحول النقاشات إلى فرجة عاطفية، بعيدًا عن الحوار البناء.
القيادات الشعبوية تعتمد على فن الخطابة، مستثمرًا تقنيات التواصل الحديثة بشكل مكثف. شعاراتها المثيرة وخطاباتها التبسيطية تهدف إلى تعبئة الجماهير حول شخصيات زعيمة تُقدم نفسها كمنقذين من الأزمات. هذه الزعائم، التي تحمل حلولا سحرية، تشكك في الواقع وتتبنى نظريات مؤامرة، وترفض المؤسسات والقنوات الوسيطة، ما يؤدي إلى تهميش العلم ونزع الشرعية عن المؤسسات.
هذا الاستراتيجية، التي تعتمد على زرع الفتن وإطلاق الإشاعات، تعزّز من الهلع وتحول النقاش السياسي إلى معركة بين حقلين متعارضين: النقاء والفساد.
ظهور الشعبوية ليس ظاهرة جديدة، بل تمتد جذورها إلى عصور قديمة. في اليونان القديمة، برز الديماغوجيون بعد انحدار الديمقراطية، وفي القرن التاسع عشر، ظهر حزب الشعب الأمريكي عام 1892، ردًا على تراجع الحزبين الديمقراطي والجمهوري. بعد الحرب العالمية الأولى، مهدت أجواء المحبطة ظهور قيادات شعبوية ديكتاتورية مثل هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا.
وفي القرن العشرين، ظهرت هذه الظاهرة في أمريكا اللاتينية مع الزعيمين خوان بيرون في الأرجنتين وجيتوليو فارجاس في البرازيل.
في العقود الأخيرة، تنامى انتشار الشعبوية في أوروبا وأمريكا، حيث عجزت الأحزاب التقليدية عن تقديم حلول مقنعة للمشاكل المتزايدة، مثل الهجرة والأزمات المالية وتوحش الليبرالية. هذا العجز أدى إلى تراجع الثقة في النخب السياسية، حيث أصبحت الانتخابات تعبيرًا عن ردّة فعل عقابية ضد الأحزاب التي لم تواكب انتظارات المجتمع.
في السياق العربي، برزت خطابات شعبوية خلال العقدين الماضيين، مستفيدة من التطور الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي. هذه الخطابات، التي تركز على القضايا الأخلاقية والدينية، تقدم حلولا سطحية لمعضلات اقتصادية واجتماعية معقدة. هذا التوجه، الذي يفتقر إلى العمق الفكري، يعزّز من الانقسامات الاجتماعية ويضعف المؤسسات السياسية، ما يؤدي إلى تفريغ الممارسة الديمقراطية من معناها البناء.
الانعكاسات السلبية للشعبوية واضحة، خاصة مع اقترانها بالتكنولوجيا الرقمية. هذه الخطابات، التي تتغذى على الإشاعات والأخبار الزائفة، تحول النقاش السياسي إلى فرجة، وتضعف من مفهوم التعددية السياسية. بدلاً من الحوار البناء، تكرس الشعبوية اتجاهات دكتاتورية، تعتمد على الحلول الجاهزة وترفض الآخر المخالف، ما يؤدي إلى تهميش الكفاءات في مختلف المجالات.
في المغرب، لا يوجد أحزاب شعبوية بالمعنى الإيديولوجي، لكن المشهد السياسي لا يخلو من خطابات شعبوية تقودها نخب حزبية. هذه الخطابات، التي تعتمد على اللغة العامية والعفوية، تركز على المواضيع الأخلاقية مثل الفساد والتحكم، لكنّها تكسّر تحت ضغط الواقع الحكومي. كما ظهرت “الشعبوية التكنوقراطية”، التي تعتمد على وعود اقتصادية واجتماعية مبنية على أرقام ضخمة، لكنّها تنهار أمام موجات الغلاء والفساد.
المؤسسة الملكية، بفضل مكانتها الدستورية والسياسية والدينية، تلعب دورًا حاسمًا في الحد من تأثير هذه الخطابات. من خلال مهامها في التحكيم وتدبير الأزمات، تتصدّى للمخاطر التي تمثلها الخطابات الشعبوية، التي تقدم نفسها كمنقذين من الأزمات. ومع ذلك، تصاعد هذه الخطابات خلال فترات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يعكس تراجع الأدوار التي كانت تستأثر بها الأحزاب السياسية والنقابات.
محاصرة هذه الخطابات يتطلب جهدًا جماعيًا. على الأحزاب السياسية إعادة الاعتبار للعمل الحزبي، من خلال تبني الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب اعتمادًا على الكفاءة. للدولة دور حاسم في تطوير المشهد الإعلامي، وإرساء تواصل بنّاء يضيق الخناق على التيارات الشعبوية. كما يجب مواجهة الفساد، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الصرامة في مواجهة الجرائم الرقمية التي تكرس الابتذال وتسطح الوعي.
إن هذه التيارات، رغم تمدّدها، تمثل حركات مرحلية، تبرز كردّ فعل على أوضاع مأزومة. بقدر ما توفّر الأزمات فرصًا لظهورها، فإنها غالبًا ما تصبح مع مرور الوقت فخًا يكشف هشاشة بنائها. هذا يعني أن الشعبوية ليست ظاهرة مستدامة، بل ردّ فعل مؤقت على ضعف المؤسسات السياسية وتدهور الثقة في النخب.
العيون تزين مساراتها لتخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة والـ51 للمسيرة الخضراء
الوكالة الوطنية تقيم تدريبًا مزارعي القنب الهندي للاستخدامات القانونية في ثلاث أقاليم





تعليقات
0