مستشفيات طنجة تطوان الحسيمة تعاني من عدم استغلال إمكانات تعاضد الموارد الصحية
مرّ أكثر من عامين على إطلاق المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، لكن هذا الإطار لم ينعكس حتى اليوم على تحقيق مبدأ تعاضد الموارد بين المؤسسات الصحية، ما يعرّض جودة الخدمات لتهديدات حقيقية. فبدلاً من أن يسهم هذا الإطار في تجاوز مظاهر الخصاص وتوفير خدمات أكثر كفاءة، ما زال التنسيق بين المستشفيات يفتقر إلى الإطار التنظيمي الفعال، مما يثقل كاهل المرضى ويضعف قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات الطارئة. أظهر هذا النقص بوضوح خلال شهر أغسطس الماضي، عندما استغنى طبيب اختصاصي في أمراض النساء والتوليد برخصة إدارية، ما خلّف فراغًا لم تستطع الإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية سدّه بسرعة، رغم وجود طبيب بديل محتمل. هذا الفشل في توفير بديل فوري يوضّح مدى عدم الاستعداد للاحتياجات الطارئة، خاصة في تخصصات حساسة مثل التوليد، حيث يمكن أن يتسبب نقص الأطباء في مخاطر على سلامة الأمهات والمواليد. لا يقتصر هذا النقص على الموارد البشرية فقط، بل يمتد إلى التجهيزات الطبية المتاحة. فثلاثة أجهزة للتصوير بالرنين المغناطيسي، موزعة بين مستشفى محمد السادس بالمضيق، ومستشفى سانية الرمل، والمستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان، ما زالت خارج الخدمة، دون أن يتم التنسيق لاستخدامها بشكل مشترك. هذا الإهمال لا يخدم فقط المرضى الذين يتحملون تكاليف التنقل الباهظة، بل يعرّضهم أيضًا إلى تأخير في التشخيص والعلاج، خاصة في الحالات التي تتطلب فحوصات متخصصة. في هذا السياق، شدّد حمزة الإبراهيمي، الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية، على أن تطبيق القانون الإطار رقم 06.22 والقانون رقم 08.22 يطرح تساؤلات حول مدى نجاح الانتقال من نظام تدبير إقليمي مجزأ إلى حكامة صحية جهوية متكاملة. وفق ما أوضح، لا يكفي توحيد الهياكل وإحداث المؤسسات؛ بل يجب أن يتجلى الإصلاح في تحسين جودة الخدمات، واستغلال الإمكانات المتاحة، وضمان حق المواطنين في العلاج دون تمييز. أثارت حالة مستشفى النساء والتوليد بالمستشفى الإقليمي بوزان مثالًا واضحًا على هذه التحديات. فاختصاصات التوليد تعاني من نقص في الأطباء، بالإضافة إلى تعثر تعويض الغيابات خلال فترات العطل السنوية، ما يؤدي إلى زيادة المخاطر على سلامة الأمهات والمواليد. هذا الوضع، بالإضافة إلى الإحالات الزائدة التي تتكبدها المرضى، يعكس فشل النظام في توفير خدمات مستمرة وموثوقة. كما لا تزال أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي بمحور تطوان-المضيق خارج الخدمة، بسبب نقص الأطباء وتقنيي الأشعة. هذا الوضع، الذي يستدعي برمجة جهوية مشتركة للفحوصات، يبرز الحاجة الماسة إلى تعزيز آليات القراءة الطبية عن بُعد، التي يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط على المستشفيات وتوفير خدمات أكثر كفاءة. لم يقتصر الإبراهيمي على تشخيص المشكلة، بل قدم حلولا عملية لتجاوزها. من بين هذه الحلول، تنظيم مسارات الإحالة والإحالة العكسية، وتأمين النقل الصحي، بالإضافة إلى تعزيز الدور المرجعي للمركز الاستشفائي الجامعي. كما دعا إلى تعاضد فعلي بين المؤسسات الصحية العمومية، من خلال تنسيق برامج الحراسة وتعويض الغيابات، واستخدام مشترك للتجهيزات والمختبرات. شدد المسؤول النقابي على ضرورة اعتماد مخططات استباقية تأخذ بعين الاعتبار الضغط الذي يعرفه النظام الصحي خلال فصل الصيف، وصعوبات الولوج إلى الخدمات خلال فصل الشتاء. هذا بالإضافة إلى الاستعداد للأزمات الصحية المحتملة، التي تتطلب تخطيطًا دقيقًا لتجنب الانهيار في تقديم الخدمات. في هذا الإطار، طالب الإبراهيمي بتوضيح وضعية إعداد واعتماد وتنفيذ الخريطة الصحية الجهوية والبرنامج الطبي الجهوي، وفق ما نصت عليه المواد 4 و7 و12 من القانون رقم 08.22. هذا الخطوة ضرورية لتحديد الأولويات والمسؤوليات، وتوفير مؤشرات موضوعية لقياس جودة الخدمات، وتقليل آجال الانتظار، وتحسين استغلال الموارد. كما دعا إلى ربط هذه الآليات ببرنامج عمل متكامل وممول، يضمن تحقيق الإنصاف المجالي، وتقليص الفوارق الصحية بين المناطق. هذا البرنامج يجب أن يخضع للتقييم المستمر، لضمان المساءلة والفعالية في تطبيق الإصلاحات الصحية. في ختام تصريحات له، شدّد الإبراهيمي على أن التعاضد بين المؤسسات الصحية لا يمكن أن يكون بديلا عن سد الخصاص البنيوي أو مبررا لنقل الأزمات من مؤسسة إلى أخرى. بل يجب أن يكون جزءا من استراتيجية شاملة تضمن استمرارية المرفق الصحي العمومي، وحماية حقوق المهنيين، مع ضمان تقديم خدمات عالية الجودة للمواطنين.





تعليقات
0