المكانة الحزبية وحدها لا تكفي: لماذا يخاطر الاختيار الخاطئ بإسقاط الإصلاح؟
قال حكيم بن شماش، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس سابق لمجلس المستشارين، إن تشكيل الحكومة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري يمثل «اختبارًا مبكرًا لمدى استيعاب مكوناتها لطبيعة المرحلة»، مشيرًا إلى أن تشكيل الحكومات يتطلب مراعاة التوازنات الحزبية، وأن هذا هو أحد مقتضيات التعددية والعمل الائتلافي، دون أن يتحول هذا إلى تبرير لاستغراق هذه الحسابات في كل جوانب العملية، على حساب النقاش حول نوع القيادة التي تحتاجها البلاد في هذه الظرفية الاستثنائية.
في مقال بعث به إلىالالباب 360بعنوان *«الفرص التي قد لا تتكرر… وامتحان الحكومة التي تستحقها»*, نبه بن شماش إلى أن النقاش حول طبيعة القيادة المطلوبة في هذه المرحلة لا ينبغي أن يتراجع، خاصة وأن «ليس كل من يمتلك خبرة تقنية في تدبير قطاع ما مؤهلًا بالضرورة لتحمل مسؤولياته السياسية». وأكد أن «المكانة الحزبية، مهما كانت معتبرة، لا تكفي لتولي حقيبة تتطلب معرفة دقيقة وشجاعة في اتخاذ القرار، وقادرة على قيادة الإدارة». وأضاف أن الوزير الذي نحتاجه اليوم يجب أن يكون قادرًا على الاختيار والحسم، وأن يتمتع بسلطة معنوية ومهنية داخل قطاعه، وأن يتحمل مسؤولية مراجعة سياسات قائمة أو مواجهة مصالح تعرقل الإصلاحات، أو الدفاع عن قرارات غير شعبية في البرلمان والمجتمع.
وشدد المسؤول البرلماني السابق على أن مثل هذه المسؤوليات لا تتحقق بالخبرة التقنية وحدها، ولا تعوضها البلاغة السياسية. وأشار إلى أن قوة رئيسة الحكومة ستُقاس في قدرتها على توحيد الوزراء ضمن مشروع حكومي متماسك، وممارسة صلاحيات التحكيم والتنسيق والمتابعة التي يتيحها الدستور، دون أن يبقى كل قطاع يعمل وفق منطق خاص، أو تتحول الإصلاحات المشتركة إلى أسيرة مفاوضات لا نهاية لها حول الاختصاصات والموارد.
أشد ما استوقفني في خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر هو وصفه للظرفية التي يدخلها المغرب بأنها «استثنائية، حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر». وقد زاد وقع هذه العبارة حين ربطها بانتظاره أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفًا حقيقيًا في مسار صعود المغرب الاقتصادي، مع تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. لكن السؤال الذي يستحق الاهتمام هو: هل نملك اليوم، سياسيًا ومؤسساتيًا، القدرة على اغتنام هذه الفرص؟
لقد قطع المغرب شوطًا معتبرًا في بناء مقومات موقعه الجديد. منذ سنوات، انخرط في اختيارات استراتيجية تجاوزت الحسابات التقليدية للتعاقب الحكومي: الموانئ الكبرى، شبكات النقل، التصنيع، والطاقات المتجددة، والانفتاح على إفريقيا، وتنويع الشراكات الدولية. لكن هذه الاختيارات، التي حملت بعضها رهانًا على تحولات كانت معالمها لا تزال في طور التشكل، لم تنته إلى حد الآن إلى تطوير قدراتنا التكنولوجية والصناعية، أو خلق فرص عمل مؤهلة، أو الانتقال إلى مواقع أعلى في سلاسل الإنتاج العالمية.
والأمر نفسه ينطبق على التحول الطاقي والرقمي، وعلى الآفاق التي يفتحها تنظيم كأس العالم 2030. لدينا فرصة لتسريع تحديث البنيات والتجهيزات، لكن القيمة التاريخية لهذه المشاريع ستُقاس بما ستضيفه إلى قدرة البلاد على الإنتاج والتنافس بعد انقضاء المواعيد الكبرى. ولا ينبغي أن ننسى أن الفرص التي يتيحها العالم للمغرب يتيحها أيضًا لبلدان منافسة، وأن الشركات الدولية لن تنتظر اكتمال إصلاحاتنا قبل إعادة ترتيب مواقع إنتاجها، أو أن التحولات التكنولوجية لن تتوقف حتى نستدرك تأخرنا في تكوين الكفاءات.
لذلك، فإن إحدى دلالات العبارة الملكية *«قد لا تتكرر»* تتعلق بالفارق بين سرعة التحولات العالمية والوقت الذي نحتاجه نحن لاتخاذ القرارات وتنفيذها. وقد أظهرت الدولة، في مراحل متعددة، قدرة على تحديد اختيارات استراتيجية بعيدة المدى، لكن هذا النجاح لم يصاحبه دائمًا تطور مماثل في قدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، خصوصًا حين تقتضي إعادة توزيع السلطة والموارد والاختصاصات.
لم يأت تأخير تطبيق اللاتمركز الإداري أو الجهوية المتقدمة دون سبب. منذ إقرار دستور 2011، وصدور الميثاق الوطني للاتمركز في ديسمبر 2018، مرّ أكثر من عقد على تحديد مبادئ وآليات وآجال لنقل الاختصاصات من الإدارات المركزية إلى المصالح اللاممركزة. ومع ذلك، عاد الملك في خطاب أكتوبر 2026 ليؤكد أن التأخير والاختلالات ما تزال تعرقل هذا الإصلاح، وأن «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في تفعيله.
فإذا كان الإصلاح قد حُسم في توجهه العام منذ سنوات، وتوفرت له مرجعيته الدستورية والتنظيمية، فلماذا لا يزال نقل الصلاحيات والموارد يواجه عراقيل؟ وما معنى الحديث عن تسريع التنمية الترابية إذا كانت الجهات نفسها تواجه صعوبات في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع؟ ولا يمكن تجاهل أن حكومة عزيز أخنوش، رغم ما حققته من مشاريع وإجراءات، لم تنجح في تسريع أوراش كانت تعاني تأخرًا مزمنا، وأن كلفة هذا التأخير كانت باهظة.
لقد توفرت للحكومة أغلبية برلمانية مريحة، واستقرار سياسي أتاح هامشًا للمبادرة، لكن ما زلت لم أستوعب كيف أنه طيلة ولايتها لم ينعقد سوى اجتماع واحد للجهاز القيادي للاتمركز، رغم أن الميثاق يلزمه بالاجتماع كل ثلاثة أشهر على الأقل. وهذا مثال كاشف عن فجوة بين القدرة على تحديد الاختيارات والاستراتيجية وبين القدرة على تنفيذها في الوقت المناسب.
ولذلك، فإن ما نحتاجه اليوم يتجاوز إضافة مشاريع جديدة إلى قائمة الأوراش الوطنية. هناك حاجة إلى حكومة وأدواتها المؤسساتية والإدارية أكثر قدرة على المبادرة، وتقليل الزمن بين القرار وتنفيذه، ومعرفة من يتحمل المسؤولية عند تعثر الإصلاح، وما الذي تقرر لتجاوزه. وهذه مسائل سياسية بامتياز.
من هنا، أنظر إلى تشكيل الحكومة الجديدة باعتباره اختبارًا مبكرًا لمدى استيعاب مكوناتها لطبيعة المرحلة. أعرف أن تشكيل الحكومات يتطلب مراعاة التوازنات الحزبية، لكن الخطأ سيكون في استغراق هذه الحسابات دون نقاش حول نوع القيادة التي تحتاجها البلاد في هذه الظرفية الاستثنائية، والقدرات التي يجب أن تتوفر في الفريق الحكومي لمواجهة الاستحقاقات المقبلة.
فليس كل من يمتلك خبرة تقنية مؤهلًا لتحمل مسؤولية سياسية، ولا تكفي المكانة الحزبية لتولي حقيبة تتطلب معرفة دقيقة وشجاعة في القرار، وقادرة على قيادة الإدارة. والوزير الذي نحتاجه اليوم يجب أن يكون قادرًا على الاختيار والحسم، وأن يتحمل مسؤولية مراجعة سياسات قائمة أو مواجهة مصالح تعرقل الإصلاحات، أو الدفاع عن قرارات غير شعبية في البرلمان والمجتمع.
وأحسب أن قوة رئيسة الحكومة ستُختبر في قدرتها على توحيد الوزراء ضمن مشروع حكومي متماسك، وممارسة صلاحيات التحكيم والتنسيق والمتابعة التي يتيحها الدستور. فما قيمة الانسجام المعلن بين مكونات الأغلبية إذا استمر كل قطاع في العمل وفق منطق خاص، وبقيت الإصلاحات المشتركة أسيرة مفاوضات لا تنتهي حول الاختصاصات والموارد؟
ثم هناك تحدي آخر يخشاه: تجاهل ما يجري داخل المجتمع. المغرب الذي يطمح إلى تحسين موقعه الدولي لا يستطيع أن يتجاهل احتجاجات الشباب التي تذكّرنا بأن قطاعات واسعة لا تقيس التقدم الوطني بما يتحقق في البنيات التحتية والمؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما بما تجده من فرص عمل وارتقاء اجتماعي، وما تتلقاه من خدمات في المدرسة والمستشفى، وبإحساسها بأن صوتها مسموع.
ولا أرى أن هذا التحدي منفصل عن القدرة على اغتنام الفرص التاريخية. البلد الذي يريد تطوير موقعه الاقتصادي يحتاج إلى مجتمع يثق في مستقبله، وإلى شباب يجد لنفسه مكانًا فيه، وإلى أحزاب تمارس وظيفتها في التأطير والوساطة، وتلتقط الإنذارات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات. لقد بدت حدود حضور الأحزاب السياسي واضحًا في بعض الهزات الاجتماعية الأخيرة، ولا يتعلق الأمر بعدد البلاغات أو التصريحات، وإنما بقدرتها على الحضور داخل المجتمع بوصفها قوة اقتراح وإنصات وتأطير.
أمام الحكومة المقبلة امتحان مزدوج: أن تحسن الاستفادة من الفرص الدولية، وأن تجعل نتائج ذلك التحول محسوسة في حياة المغاربة. فالنجاح في المهمة الأولى دون الثانية سيترك البلاد أمام تناقضات اجتماعية قد تحد من قدرتها على مواصلة التقدم.
لهذا، ينبغي أن يبدأ النقاش حول الحكومة التي يحتاجها المغرب من برنامجها وقدرتها على القيادة، وأن يجعل اختيار النساء والرجال المكلفين بتنفيذه جزءًا من هذا النقاش، لا أن يتحول الأسماء والحقائب إلى موضوعه الأساسي. وما يؤسف له أن ينصرف النقاش السياسي، في مثل هذه اللحظات، إلى معرفة من سيغادر الحكومة ومن سيدخلها، أكثر مما ينصرف إلى مساءلة التصورات والاختيارات التي ستحكم عملها.
لن تكون الحكومة الجديدة مطالبة بأن تبدأ من الصفر، فالمغرب راكم اختيارات ومؤسسات ومشاريع تمنحه قاعدة مهمة للعمل. لكنها ستطلب أن تضيف إلى هذا الرصيد قدرات أكبر على تنفيذ الإصلاحات في آجالها، وعلى معالجة التعثرات دون انتظار تراكمها، وعلى تحمل المسؤولية السياسية عن النتائج.
وهنا تكتسب اختيارات تشكيل الحكومة أهميتها الحقيقية. فالنساء والرجال الذين ستُسند إليهم مسؤولية قيادة هذه المرحلة لن يتولوا مجرد تدبير قطاعات حكومية، بل سيجدون أنفسهم أمام استحقاقات تتداخل فيها رهانات الاقتصاد والدبلوماسية والتنمية الاجتماعية، وتحتاج إلى سرعة القرار وشجاعة المبادرة والقدرة على تجاوز ما ألفناه من بطء وتردد في معالجة الاختلالات. وستتوقف على جودة هذه الاختيارات، إلى حد بعيد، قدرة الحكومة على تحويل ما يتيحه الظرف التاريخي إلى مكتسبات فعلية.
لقد احتاجت بلادنا إلى عقود لتبلغ الموقع الذي تشغله اليوم، وما تزال أمامها تحديات جسيمة في عالم لا ينتظر المترددين ولا يمنح الدول فرصة ثانية لاستدراك ما أضاعته. ولذلك، فإن ما يقلقني أكثر من احتمال تأخر مشروع كبير، أو ضياع فرصة استثمارية، أن نستمر في التعامل مع الزمن كما لو كان موردًا متاحًا بلا حدود، وأن نخوض مرحلة جديدة بالأدوات والعادات نفسها التي أخرت إصلاحات سابقة.
وحين يقول جلالة الملك إن الفرص قد لا تتكرر، فإن الأرجح في اعتقادي أنه ينبه إلى مخاطر استنزاف الزمن الوطني وإلى جسامة المسؤولية. ولا نملك أن نجزم بجميع المعطيات التي يستند إليها هذا التقدير، لكننا نستطيع أن نستخلص منه واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا: الارتقاء بجودة الاختيارات الحكومية — وزراء وهندسة وبرنامج — إلى مستوى الطموح الوطني.
فالخطأ في اختيار من يقود المرحلة قد يكون أفدح من الخطأ في تدبير أحد مشاريعها. المغرب الذي بلغ هذا الأفق من الطموح يستحق حكومة تدرك أن ما بين أيديها يتجاوز عمر ولايتها. إنها مسؤولية عن فرصة من فرص التاريخ.




تعليقات
0