# مسودة أمريكية حول الصحراء تثير قلق جبهة البوليساريو وتحدي مساراتها السياسية
تغير مسار القضية الصحراوية بشكل جذري مع نشر مسودة قرار مجلس الأمن، التي وضعتها واشنطن كحاملة القلم، وتوقفت عندها جبهة البوليساريو أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله. لا تعد هذه المسودة مجرد وثيقة تفاوضية أخرى، بل قرار سياسي حاسم يكرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل وحيد، ويضع نهاية فعليّة لأساليب التفاوض السابقة التي اعتمدت على الاستناد إلى قرارات قديمة منذ عام 2007. هذه الخطوة، التي ستناقش في نهاية أكتوبر المقبل، تترك جبهة البوليساريو في موقف غير مريح، حيث تتعرض لمصير العملية السياسية برمتها إذا لم تتكيف مع هذه الواقعية الجديدة.
الخطوة الأكثر حدة في المسودة هي تحديد القرار 2797 الصادر العام الماضي كمرجعية سياسية وحيدة، مما يعني إلغاء كل ما سبقه من قرارات. هذا التغيير ليس مجرد تعديل شكلي، بل ثورة في الإطار التفاوضي، حيث يتم استبعاد كل المطالب الانفصالية التي اعتمدت على استئناف المفاوضات دون أساس واضح. المسودة تحدد بوضوح أن مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن هو الأساس الوحيد للمفاوضات، دون أي بديل آخر. هذا يعني أن أي نقاش مستقبلي سيكون محصورًا في هذا الإطار، مما يحرم جبهة البوليساريو من أي هامش للضغط أو التفاوض حول مبادرات أخرى.
الخطوة التالية التي أثارت قلق جبهة البوليساريو هي اقتراح إنهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو” بحلول نهاية أبريل المقبل، وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر فقط. هذا التغيير ليس مجرد تقليل في المدة، بل إشارة واضحة إلى أن المرحلة الحالية من الصراع وصلت إلى نهاية مرحلة معينة، حيث ستحل محلها آليات جديدة أقل شمولية. المسودة تدعو أيضًا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل اللاجئين في تندوف دون أي تدخل خارجي، مما يحرم الجزائر من دورها التقليدي في إدارة هذا الملف.
جبهة البوليساريو لم تكتفِ بالرد على هذه المسودة بالاعتراض، بل تلويح بالانسحاب من العملية السياسية كوسيلة للضغط. في رسالة وجهها ممثلها لدى الأمم المتحدة إلى رئاسة مجلس الأمن، اعتبرت المسودة “انحرافًا خطيرًا وغير مسبوق” عن مبادئ القانون الدولي، مشيرة إلى أنها لا يمكن أن تكون أساسًا لأي مداولات حول بعثة المينورسو أو عملية السلام. الرسالة شددت على أن عدم إجراء تغييرات جوهرية في المسودة سيؤدي إلى انسحاب جبهة البوليساريو من العملية السياسية بالكامل. هذه التهديدات ليست جديدة، حيث سبق أن قامت الجبهة بالانسحاب في عام 2020، لكن النتيجة كانت لصالح المغرب، حيث تحولت المسارات لصالحه حتى اليوم.
قيادي عسكري سابق في جبهة البوليساريو، مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، أكد أن التهديد بالانسحاب لن يغير من الواقع شيء. وفقًا له، فإن أي خروج جديد من المسار السياسي لن يتيح للجبهة فعل أي شيء، حيث استنفدت جميع أوراقها بالفعل. المسودة الجديدة، وفق تصريحه، هي حاسمة ومحكمة، حيث تغيرت المرجعية التفاوضية بشكل جذري، مع اعتماد القرار 2797 كمرجعية وحيدة، وإلغاء كل ما قبله. هذا يعني أن أي محاولة للضغط على واشنطن أو المغرب لن تنجح، حيث أصبحت المسودة حاسمة وقاتلة للطرح الانفصالي.
ولد سيدي مولود شدد على أن المسودة الجديدة تتضمن تغييرات جوهرية في مهام بعثة المينورسو، حيث ستتحول إلى مهمة مواكبة لمرحلة مقبلة فقط، دون أي دور فعال في إدارة العملية السياسية. هذا التغيير يهدف إلى تكريس مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد، دون وجود أي بديل آخر. بالإضافة إلى ذلك، تسند المسودة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مهمة تسجيل وإحصاء اللاجئين بشكل مباشر، دون أي تدخل من الجزائر أو جبهة البوليساريو، مما يعني تجريد الجزائر من كافة أوراقها في هذا الملف.
الجزائر، التي كانت تتوقع هذه النتيجة استنادًا إلى المعطيات القائمة، تجد نفسها الآن في موقف صعب. المسودة الحالية تضع الجزائر أمام خيارين صعبين: إما التصادم مع المغرب أو مواجهة الحصار الدولي. هذا الوضع ليس جديدًا، حيث كانت الجزائر تشحن عناصرها بخطابات الانتصارات في committees الدولية، لكن هذه المسودة تمثل ضربة قاضية دفعة واحدة، حيث لا توجه أي مطالب للمغرب، بل تنصب جميع المطالبات على البوليساريو والجزائر.
في السياق الاستراتيجي، أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، أن التهديد بالانسحاب من العملية السياسية الأممية يجب قراءته في سياق التحولات الجذرية التي يعرفها الإطار التفاوضي لقضية الصحراء. هناك فرق جوهري بين الانسحاب من ترتيبات وقف إطلاق النار وبين الانسحاب من المسار السياسي الذي يشرف عليه مجلس الأمن. الأول يتعلق بالترتيبات الأمنية الميدانية، بينما الثاني يستهدف آلية إنتاج التسوية السياسية نفسها.
المتحدث ذاته أشار إلى أن أهمية هذا التوقيت تكمن في أن القرار 2797 أدخل معطى جديدًا إلى معادلة التفاوض، حيث جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا للمباحثات. هذا يعني أن النقاش الآن يتعلق بالأساس الذي ستنطلق منه المفاوضات، وليس فقط باستئنافها. المسودة الحالية تظل قابلة للتعديل، لكن أي تغييرات ستحدد بشكل أكبر حدود التفاوض، مما يجعل من الصعب على جبهة البوليساريو التأثير في مضمونها.
المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن التهديد بالانسحاب قد يمنح جبهة البوليساريو قدرة ظرفية على لفت الانتباه، لكنه لا يضمن لها القدرة على تغيير اتجاه العملية السياسية. مغادرة طاولة التفاوض لا تعني بالضرورة تعطيل القرار الدولي، بل قد تعني تقليص القدرة على التأثير في مضمونه. مجلس الأمن، بوصفه المؤسسة المكلفة بتحديد ولاية المينورسو، لا يفقد صلاحياته نتيجة إعلان أحد الأطراف عدم المشاركة.
استخدام التهديد بالانسحاب يكشف أيضًا عن إشكالية تتعلق بتوزيع أوراق الضغط. الطرف الذي يربط مشاركته بقبول شروط مسبقة قد يسعى إلى توسيع هامش المناورة، لكنه يخاطر في الوقت نفسه بتحويل مشاركته من وسيلة للتأثير إلى موضوع للتفاوض بحد ذاته. هذا يعني أن السؤال الآن ليس فقط حول مضمون الحل، بل حول مدى استعداد الأطراف لتحمل المسؤولية السياسية عن إنتاجه.
اختبار أكتوبر المقبل لن يكون في مستوى التصعيد اللفظي، بل في قدرة مجلس الأمن على الحفاظ على استمرارية العملية السياسية وتوضيح مسارها المستقبلي. بالنسبة للمغرب، تبرز الأهمية الدبلوماسية لهذه المرحلة في استمرار حضور مبادرة الحكم الذاتي داخل المرجعية الأممية، مع بقاء التسوية النهائية موضوعًا للتفاوض وفق القرارات المعتمدة. التحول الاستراتيجي في النزاعات الممتدة لا يحدث عندما يتوقف أحد الأطراف عن الاعتراض، بل عندما تصبح العملية السياسية أكثر تحديدًا في أهدافها، وأكثر وضوحًا في مسؤوليات المشاركين فيها.
البوليساريو ترفض المسودة الأمريكية وتهدد بالانسحاب من بعثة الأمم المتحدة
مشروع قرار أمريكي ينهي «المينورسو» ويحولها إلى بعثة سياسية ويؤكد الحكم الذاتي بالمغرب





تعليقات
0